تناول الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر السابق وأستاذ البلاغة والنقد، السر البياني واللطيفة الإيمانية الكامنة في قوله تعالى بسورة «مريم»: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. وأوضح، خلال حلقة من برنامجه «بلاغة القرآن والسنة» المذاع عبر قناة "الناس"، أن التعبير القرآني أثار تساؤلاً دقيقاً لدى علماء البلاغة؛ إذ لا يُعهد في لسان العرب قول القائل: "جعلتُ لفلان وُداً"، بل يقال: "وددتُ فلاناً" أو "أحببته"، كما لم يقتصر النظم على الإخبار بحب الله لهم كأن يقول: "سيودّهم"، وهو ما كشف عنه الإمام الخطابي في بيانه لمعالم بلاغة القرآن.
التفسير البلاغي للخطابي: "جعل" بمعنى خلق وغرس
وبيّن "داود" أن الإمام الخطابي وقف أمام هذا التعبير ليوضح أن فعل ﴿سَيَجْعَلُ﴾ هنا لا يأتي بمعنى "صَيَّرَ" أو التحويل، وإنما يأتي بدلالة "خَلَقَ"؛ أي أن الله سبحانه وتعالى—بفيض رحمته وإحسانه—سيخلق ويغرس لأهل الإيمان والعمل الصالح مودة ومحبة ورحمة في قلوب عباده. وأكد أن هذا المعنى أبلغ وأعظم من مجرد الإخبار بالمحبة؛ إذ يجسد حقيقة كونية وقدرية بأن محبة الناس وقبولهم هبة ربانية يخلقها الله في الصدور جزاءً لصدق الإيمان وصالح الأعمال.
قيام الليل بآية المودة وفيوضات التدبر
واستشهد رئيس جامعة الأزهر السابق بما ذكره محاوره خلال الحلقة حول إحدى النفحات التراثية؛ حيث كان أحد الصالحين يقوم ليله كاملاً مردداً هذه الآية الكريمة دون غيرها حتى مطلع الفجر. وحينما سأله تلميذه عن سر وقوفه الطويل عند هذه الآية، أجاب بأنه ما تلاها مرة إلا وفُتح له بها باب جديد من الفهم والتجلي والفيض الإلهي في رحمة الله بعباده الصالحين، مؤكداً أن تدبر النظم القرآني يفيض بأسرار لا تنفد تتجلى للقلوب الحية.
التطابق البياني مع السنة: نداء السماء وقبول الأرض
وربط الدكتور سلامة داود بين دلالة الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف الذي يبين ترتيب نزول المحبة؛ حيث قال النبي ﷺ: «إذا أحبَّ اللهُ عبداً نادى جبريلَ: إني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه، فيُحبُّه جبريلُ، ثم ينادي في أهلِ السماءِ: إنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه، فيُحبُّه أهلُ السماءِ، ثم يُوضَعُ له القبولُ في الأرضِ». واختتم حديثه بالتأكيد على أن محبة الناس لا تُشترى بالمال ولا تُنال بالتصنع، بل هي أثر مبارك لـ ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ حين يُصلح العبد ما بينه وبين ربه، فيتولى الرحمن زرع مودته وهيبته في قلوب الخلائق.









