إن الإنسان الذي يعيش في ظل حياة قاسية، مثقلة بالمعاناة النفسية، ويشعر بالعجز عن كسر قيودها، يبحث عن بريق أمل يعينه على احتمال متاعبها وتجاوز آلامها. لكنه كلما سلك طريقًا ظن أنه سيقوده إلى ذلك البريق، فوجئ بوهم يضاعف ألمه، ويزيد شعوره بالضيق والخذلان. وهكذا تتراكم الخيبات على عاتقه، وتضيق بها جوانب صدره، حتى تأتي لحظة الانفجار، حين تكتمل دائرة اليأس وتطوق عنقه بحبال غليظة تشتد قبضتها، فيتواصل العذاب وتظلم الدنيا في قلبه وعينيه، حتى لا يعود يرى منفذًا للخلاص.
إنها لحظة الهاوية، التي تقف وراءها أكدار متفاقمة وحسرات متراكمة. إنه عمر قصير وصبا يانع، لكن ما واجهته النفس من قسوة قد يفوق قدرتها على الاحتمال، لا سيما حين تكون شديدة الحساسية، مرهفة الشعور، سريعة التأثر بجراح الحياة. عندئذ يبدو الإنسان كأنه محاصر بين طريقين كلاهما مر، وبين جحيمين لا يجد في أيهما نجاة. وقد تبلغ به المعاناة حدًّا يرى معه الموت أهون من مواصلة عذاب نفسي لا يقل ألمًا عن العذاب الجسدي، بل قد يفوقه قسوة.
هكذا بدت رحلة عنايات الزيات؛ فكلما حاولت أن تصعد إلى سفينة النجاة، هبت العواصف لتحطم أشرعتها، وتتركها حطامًا غارقًا في بحار الألم. ومن سفينة إلى أخرى، ومن حطام إلى حطام، ظلت تبحث عن شاطئ ترسو عليه، حتى انتهت رحلتها نهاية مأساوية، لم تجد فيها الحياة التي كانت تنشدها.
كان الزواج أحد الأبواب التي ربما رجت أن تجد خلفها الاستقرار، لكنه انتهى بالانفصال، في مجتمع يحمّل المرأة المطلقة عبء الانهيار، وينظر إليها بعين الريبة والازدراء، كأنها وحدها المسؤولة عن فشل العلاقة. وفي ظل هذه النظرة القاسية، قد تجد المرأة نفسها مدفوعة إلى هامش الحياة، محرومة من التقدير والاعتبار، وكأن إنسانيتها ومشاعرها لا تستحقان أن يُلتفت إليهما.
ولعل الأدب كان يمكن أن يصبح ملاذًا تسترد فيه إحساسها بإنسانيتها، وتجد فيه ما يعوضها عن تجاهل المجتمع، ويمنحها فرصة للتعبير عن ذاتها بعيدًا عن أحكامه الجائرة. ففي عالم الإبداع، لا ينبغي أن تتحدد قيمة الإنسان بنظرة الآخرين إليه، ولا أن تظل أسيرًا لعادات مقيتة وتقاليد بالية تنتقص من حقه في أن يعيش ويحب ويحلم.
وحين اقتحمت عنايات الزيات عالم الكلمة، وكتبت روايتها الأولى والأخير بين الحب والصمت، بدت كأنها تطرق بابًا جديدًا، لعلها تجد خلفه ما عجزت عن العثور عليه في الحياة. لقد حملت إلى عالم الأدب تجربة مثقلة بالألم، وعصبًا مرهفًا قادرًا على التقاط الجراح التي قد تمر على الآخرين دون أن ينتبهوا إليها. لكن هل استجاب لها هذا العالم؟ وهل وجدت في الكتابة ما كانت تبحث عنه من عزاء واعتراف؟
لقد ظل الباب، أقرب إلى باب موصد؛ فلا الأدب وحده يضمن الخلاص من الألم، ولا التعبير عن المعاناة يكفي دائمًا لتبديدها. وحين تضيق منافذ الأمل، قد يشعر الإنسان بأن الأبواب جميعها قد أُغلقت في وجهه، وأن ما تبقى له ليس سوى صمت طويل لا يقطعه سوى أنين الروح.
في السادسة والعشرين من عمرها، انتهت حياة عنايات الزيات، في مأساة أعادت إلى الواجهة سؤالًا مؤلمًا عن قدرة الظروف الاجتماعية والنفسية على محاصرة الإنسان، وعن مصير النفوس التي لا تجد من يفهم آلامها أو يمد إليها يد العون. لقد كان رحيلها أسبق من أن نعرف كل ما دار في أعماقها، ولذلك لا يجوز أن نزعم الإحاطة بأسباب مأساتها، لكن من حقنا أن نتأمل العالم الذي عاشت فيه، وما يفرضه من قيود وأحكام قد تجعل المعاناة أشد وطأة.
وبين الحب والصمت، انتهت مسيرة قلب حاول أن يجد لنفسه منفذًا من قيود المجتمع، لكنه ظل مثقلًا بالجراح. فالحب قد تغتاله الأيدي التي لا تفهمه، ثم تقف صامتة، لا تملك حتى حق الاعتراض بكلمة؛ ويصبح الإنسان ضحية مشاعره، وضحية مجتمع لا يمنحه الحرية الكافية ليعيشها، ولا الرحمة التي تعينه على احتمال خسارتها.
إنها مأساة الحب حين يصطدم بالقسوة، ومأساة الإنسان حين يُحاصر بين ما يشعر به وما يُسمح له بأن يعيشه، وبين حاجته إلى الجمال وواقع يضيّق عليه منافذه. فكيف يستطيع الإنسان أن يعيش إذا حُرم الشعور بالحب والجمال؟ وكيف تزدهر روحه في عالم يستوطن القبح بعض نفوسه، حتى تعجز عن رؤية الجمال أو إدراك معناه؟
لا حياة كاملة بلا حب، ولا إنسانية حقيقية حيث يُسحق الجمال وتُصادر المشاعر. وربما كانت مأساة عنايات الزيات، في جانب منها، تذكيرًا بأن المجتمع الذي يضيّق على الإنسان منافذ الحياة لا يستطيع أن يتنصل تمامًا من مسؤوليته الأخلاقية عن معاناة أفراده، وأن الصمت أمام الألم قد يكون وجهًا آخر من وجوه القسوة.
خالد دومة يكتب: أدباء على حافة الهاوية.. عنايات الزيات بين الحب والصمت
إن الإنسان الذي يعيش في ظل حياة قاسية، مثقلة بالمعاناة النفسية، ويشعر بالعجز عن كسر قيودها، يبحث عن بريق أمل يعينه على احتمال متاعبها وتجاوز آلامها. لكنه كلما سلك طريقًا ظن أنه سيقوده إلى ذلك البريق، فوجئ بوهم يضاعف…
المصدر: اليوم السابع









