ليست المشكلة دائمًا في معرفة الخير والشر أو الجهل بهما، وإنما في قدرة الإنسان على الالتزام بفعل الخير وتجنب الشر. فالمعرفة أصبحت متاحة، ولعل وسائل الوصول إليها في زماننا كثيرة ومتعددة، كما يستطيع الإنسان إدراك كثير من القيم الأخلاقية بشعوره وفطرته، قبل أن يحتكم إلى العقل والمنطق. ومع ذلك، قد يدرك الإنسان حقيقة الفعل وقبحه، ثم يأتي العقل ليبرره ويبحث له عن المخارج التي تتوافق مع أهوائه وتطلعاته ومصالحه.
وهنا تحدث مفارقة غريبة في النفس الإنسانية؛ إذ يؤمن الإنسان بقيم أخلاقية عظيمة، ويؤدي الشعائر الدينية، ثم يأتي سلوكه مناقضًا لما يؤمن به. يؤمن بالعدل ثم يظلم ويأكل حقوق الناس، ويدعو إلى الرحمة ثم يقسو على الضعفاء ومن لا يملكون الدفاع عن أنفسهم. فهل تنشأ هذه المفارقة من موت الضمير، أم من طبيعة الإنسان والبيئة المحيطة به، وما تغرسه فيه من وعي زائف ومفاهيم مضللة؟
يمتلك كثير من الناس قدرة عجيبة على تبرير أفعالهم حين تتعارض مع المبادئ التي يؤمنون بها؛ فيعيدون تفسير تصرفاتهم، ويبحثون لها عن مخارج ترضي ضمائرهم أو تخفف من وطأة تأنيبها. وهكذا قد يتحول العقل من وسيلة لكشف الخطأ إلى أداة للدفاع عنه، فلا يعود الإنسان يسأل نفسه عما إذا كان فعله صوابًا، وإنما يبحث عن المبررات التي تجعله يبدو كذلك.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح حين تتعارض القيم مع المصالح الشخصية؛ فالإنسان يحب العدل ويطالب به ما دامت مصلحته تقتضيه، فإذا تعارض مع مصلحته تنكر له، واستعان بمبررات يراها كافية لتسويغ الظلم. يطالب الآخرين باحترام القيم، لكنه لا يلتزم بها حين تصبح عبئًا عليه أو تحول بينه وبين ما يريد تحقيقه.
إن تربية الضمير لا تتحقق بفرض القواعد الأخلاقية على الإنسان من الخارج، ولا بمجرد تعريفه بما ينفع وما يضر، وما هو خير وما هو شر؛ وإنما تتشكل من مصادر متعددة، يأتي في مقدمتها الأسرة والمجتمع، وما يتلقاه الإنسان من قيم دينية وأخلاقية، ليس من خلال الأقوال وحدها، وإنما من خلال أفعال من يعتنقونها ويدعون إليها.
فالطفل الذي يتعلم أن الكذب خطأ، وأن الأديان والمجتمعات ترفضه، ثم يرى الكبار يكذبون كلما تعارض الصدق مع مصالحهم الشخصية، يتلقى رسالتين متناقضتين؛ إحداهما ترفض الكذب قولًا، والأخرى تجيزه ممارسة. ومع مرور الوقت، قد يتعلم أن القيم الأخلاقية شيء يقال، وأن السلوك شيء آخر تحكمه الظروف والمصالح والأهواء.
وهكذا ينشأ الإنسان على ازدواجية في المعايير، فيرفض قيمة أخلاقية في موقف، ثم يقبلها في موقف آخر، وفقًا لما تقتضيه مصلحته. وقد لا تعود الأخلاق في نظره ضوابط تحكم علاقاته بالآخرين، وإنما تصبح كلمات جميلة يتغنى بها، دون أن يشعر بضرورة الالتزام بها.
وفي مثل هذه البيئة، قد يتحول التدين لدى بعض الناس إلى وسيلة لاكتساب احترام الآخرين والشعور بالتفوق الأخلاقي عليهم، لا إلى باعث داخلي يدفع صاحبه إلى إصلاح نفسه ومحاسبتها. فيحرص على أن يراه الناس صالحًا، أكثر من حرصه على أن يكون صالحًا في حقيقة سلوكه.
وهنا تتجلى أهمية الدور الذي يؤديه الدين في تربية الضمير؛ فالدين لا يكتفي بتعريف الإنسان بما ينبغي فعله وما ينبغي اجتنابه، وإنما يربط الإيمان بالسلوك، والنية بالعمل، والاعتقاد بالمسؤولية. فالأعمال لا تُقاس بمظاهرها وحدها، وإنما بما تنطوي عليه من نيات ومقاصد، وبما تتركه من آثار في حياة الآخرين.
وليس المقصود من العبادات أن يؤديها الإنسان باعتبارها تعليمات محددة، ينتهي أثرها بانتهاء أدائها، وإنما أن تسهم في تهذيب نفسه وتكوين ضميره، وأن تنعكس على معاملاته وسلوكه. فالعبادة التي لا توقظ في الإنسان الشعور بالمسؤولية، ولا تجعله أكثر عدلًا ورحمة وأمانة، لم يتحقق أثرها الأخلاقي في حياته على النحو الذي ينبغي.
إن الفصل بين القول والفعل يفرغ القيم التي يدعو إليها الدين من مضمونها، ويحولها إلى كلمات جوفاء تتردد على الألسنة دون أن تصبح سلوكًا أخلاقيًا يلتزمه الإنسان. فقوة الأخلاق لا تظهر حين تتوافق مع مصالحنا ورغباتنا، وإنما حين تتعارض معها، فنختار الحق رغم ما قد نفقده بسببه.
ولا يمكن تفسير انتشار هذا السلوك المتناقض باعتباره مرضًا نفسيًا أصاب المجتمع، فليس كل تناقض بين المعتقد والسلوك اضطرابًا نفسيًا؛ فقد تكون جذوره في التربية الخاطئة، وضعف الإرادة، والأنانية، والانتهازية، والاستسلام للأهواء والمصالح الشخصية. فالطفل لا يتعلم الصواب والخطأ من الكلمات وحدها، وإنما يتعلمهما قبل ذلك من سلوك أبيه وأمه والمجتمع المحيط به. فإذا رددنا على مسامعه ألف مرة أن الكذب خطأ وحرام، ثم رآنا نكذب، فإننا لا نعلمه رفض الكذب، بل نعلمه أن حرمته لا تتجاوز حدود الكلام، أما الممارسة فلها حسابات أخرى.
ومع تكرار هذه الازدواجية، يتعلم الإنسان كيف يتجاوز ما يعرف أنه خطأ، وكيف يستعين بالتبرير لتخفيف الشعور بالذنب. فيصبح الظلم استردادًا للحق، والكذب إخفاءً للحقيقة لحكمة، والغش اضطرارًا تفرضه الظروف، وكأن الإنسان لا يد له فيما يرتكب من أخطاء، وإنما هو ضحية للواقع الذي يعيشه.
والحقيقة أن الإنسان قد لا يفقد ضميره بمجرد ارتكاب الخطأ، وإنما قد يلجأ إلى تغييب صوته أو تخديره أو تضليله، حتى يستطيع التوفيق بين ما يؤمن به وما يمارسه من سلوك يناقضه. فهو لا يريد أن يواجه نفسه بحقيقة ظلمه أو كذبه أو خيانته، فيبحث عن وسائل تخفف من مسؤوليته، وتبعده عن إدانة نفسه.
فالضمير الحي يحتاج إلى تربية ورعاية حتى ينمو نموًا سليمًا، ويظل قادرًا على أداء دوره في مراقبة السلوك ومحاسبة النفس. أما تركه فريسة للتربية المتناقضة والمصالح والأهواء، فقد يؤدي إلى إضعاف فاعليته حتى يصبح الإنسان قادرًا على ارتكاب الخطأ دون أن يستشعر حقيقته.
ولعل الجريمة الكبرى التي يرتكبها الإنسان في حق نفسه وضميره ودينه وعقله، ليست مجرد أن يخالف القيم التي يؤمن بها، وإنما أن يخدع نفسه حتى يقتنع بأن ما يفعله ليس خطأ، وأن ما يرتكبه من ظلم ليس ظلمًا، وأنه لم يخالف مبادئه رغم أنه يناقضها في كل خطوة.
فهل يدرك الإنسان ما يرتكبه في حق نفسه حين يجعل عقله أداة لتبرير أخطائه، وإرادته أسيرة لنزواته ومصالحه، وضميره عاجزًا عن ردعه؟ إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه المرء أن يفقد قدرته على مراجعة نفسه، وأن يصبح العقل الذي يميز به الحق من الباطل، والضمير الذي يستشعر به المسؤولية، عاجزين أمام أهوائه ورغباته.
وهكذا يخسر الإنسان واحدة من أعظم ما يميزه: قدرته على الارتقاء بنفسه، والتحرر من عبودية أهوائه، والعيش وفق قيم يؤمن بها ولا يتنكر لها حين تتعارض مع مصالحه.









