تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى استشهاد القديس مكاريوس أسقف إدكو، الذي ترك سيرة حافلة بالتمسك بالإيمان والدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية، حتى دفع حياته ثمنًا لثباته على معتقده.
وتروي السيرة الكنسية للقديس مكاريوس أنه كان راعيًا أمينًا لشعبه، شديد الحرص على خلاص النفوس، وقد اشتهر بكثرة البكاء أثناء عظاته على المنبر، إذ كان يرى خطايا الشعب وأحواله الروحية، فيغلبه الحزن على ما يراه من ابتعاد البعض عن وصايا الله.
وحين سأله تلاميذه عن سبب بكائه، روى لهم رؤيا شاهد فيها السيد المسيح داخل الهيكل، والملائكة يقدمون أمامه أعمال الشعب، وسمع صوتًا إلهيًا يسأله عن سبب تأخره في وعظ شعبه، فأجاب بأنهم لا يقبلون كلامه، فجاءه الرد بأن واجب الأسقف هو أن يعظ الشعب، فإن قبلوا نالوا الخلاص، وإن رفضوا تحملوا مسؤولية اختيارهم.
ولم يكن دفاع القديس مكاريوس عن الإيمان مجرد كلمات، بل ظهر بوضوح خلال أحداث مجمع خلقيدونية، حين رافق البابا ديسقورس إلى المجمع، وهناك تعرض لموقف يكشف بساطة مظهره، إذ منعه حراس القصر من الدخول بسبب ملابسه المتواضعة، قبل أن يعرفهم البابا ديسقورس بأنه أسقف إدكو.
وأمام الخلافات العقائدية التي شهدها المجمع، أعلن القديس مكاريوس رفضه لما اعتبره خروجًا عن الإيمان الأرثوذكسي، ووقف إلى جانب البابا ديسقورس في موقفه، ليصدر قرار بنفيهما إلى جزيرة غاغرا.
ومن هناك أرسله البابا ديسقورس مع تاجر مؤمن إلى الإسكندرية، مبشرًا إياه بأن إكليل الشهادة ينتظره. وبالفعل، وصل القديس إلى المدينة في وقت كان فيه رسول الملك يحمل صيغة الإيمان الخلقيدونية، التي تتحدث عن طبيعتين للمسيح، مع وعد بمنح لقب بطريرك الإسكندرية لمن يسبق إلى كتابة اسمه عليها.
وكان القس بروتاريوس، مقدم القسوس بالمدينة، على وشك كتابة اسمه، لكنه تذكر كلمات البابا ديسقورس للقديس مكاريوس بأنه سيستولي على كنيسته من بعده، فتوقف عن الكتابة. وحين أدرك رسول الملك رفض الأسقف الموافقة على الصيغة الجديدة، اعتدى عليه وركله، فأسلم القديس روحه ونال إكليل الشهادة.
وحرص المؤمنون على إكرام جسده ودفنه مع جسدي يوحنا المعمدان وأليشع النبي، تحقيقًا لرؤيا وردت في سيرته بشأن موضع دفنه، لتبقى ذكراه حاضرة في الوجدان الكنسي، بوصفه راعيًا لم يتخل عن إيمانه، واختار الشهادة على التنازل عن العقيدة التي عاش يدافع عنها.





