تعود رواية "المخطوطة التي عُثر عليها في سرقسطة" للكاتب البولندي يان بوتوتسكي إلى الواجهة من خلال معرض جديد في مؤسسة يان ميشالسكي بسويسرا، وهذا العمل الأدبي الغرائبي وصفه القائمون على المعرض بأنه نسخة غربية من "ألف ليلة وليلة".
ما أحداث الرواية؟
تدور أحداث الرواية حول ضابط شاب من إقليم والونيا يُدعى ألفونس فان فوردن، يسافر عبر جبال سييرا مورينا الإسبانية في طريقه إلى مدريد للانضمام إلى الجيش، لكنه يجد نفسه وسط سلسلة من الوقائع الغامضة، تشمل لقاءات مع شقيقتين موريتين، وظواهر خارقة، واختبارات يخوضها على يد عالم يهودي متخصص في علوم القبالة، يحاول استخدام الصيغ الصوفية للسيطرة على الأرواح وفك أسرار الكون.
وتتميز الرواية ببنائها المتداخل، إذ تتوالد الحكايات داخل بعضها بعضًا، وتمتد أحداثها من ميلاد المسيح حتى بدايات القرن التاسع عشر، عبر أماكن متعددة تشمل البحر المتوسط وشمال أفريقيا والمكسيك وبيرو والفلبين، ما جعلها عملًا موسوعيًا يصعب حصره في تصنيف أدبي واحد.
وكتب بوتوتسكي الرواية بالفرنسية، ونُشرت أجزاء منها للمرة الأولى عام 1804 في مدينة سانت بطرسبرج، أما حياة الكاتب نفسها، فانتهت عام 1815 عندما أطلق النار على نفسه عن عمر 54 عامًا، وبعد وفاته كشف جرد مقتنياته عن وجود وعاء فضي للسكر فقد غطاءه، وظهرت تكهنات بأنه برد المقبض المعدني للغطاء واستخدمه في صب الرصاصة التي أنهت حياته، وهي الحكاية التي غذّت نظريات غريبة تزعم أنه كان يعتقد أنه مستذئب، دون وجود دليل يؤكد ذلك.
ولم تكن رحلة الرواية أقل غرابة، فقد تداول القراء نسخًا مجزأة ومختلفة منها لسنوات طويلة، حتى اكتشف الباحث دومينيك تريير عام 2002 ثماني مخطوطات كانت مصنفة بصورة خاطئة داخل الأرشيف البولندي، وأتاح هذا الاكتشاف للباحثين التوصل إلى أن بوتوتسكي ترك وراءه روايتين مختلفتين، وليس رواية واحدة كما كان يُعتقد.
وحظيت الرواية بإعجاب عدد من الأدباء المعاصرين، من بينهم سلمان رشدي، الذي وصفها بأنها تشبه أعظم الروايات الحديثة وكأنها كُتبت بالأمس، وأولجا توكارتشوك الحائزة على جائزة نوبل في الأدب عام 2018، التي اعتبرتها جزءًا من أدواتها الأساسية لاستعادة الطاقة الإبداعية.
كما جذبت اهتمام الفنانين والسينمائيين، ومن أبرز تجليات ذلك فيلم المخرج البولندي فويتشيخ هاس عام 1965، الذي اكتسب شهرة واسعة بين محبي السينما. وأسهم الموسيقي جيري جارسيا، عضو فرقة Grateful Dead، في إطلاق مشروع ترميم الفيلم خلال التسعينيات، بدعم لاحق من فرانسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي.
لكن ما يمنح الرواية أهمية متجددة، وفقًا للقائمين على المعرض، ليس غرائبيتها وحدها، بل رؤيتها لمجتمع متعدد الثقافات، تتجاوز فيه الإنسانية الانقسامات العرقية والدينية. فقد قدم بوتوتسكي شخصيات مسيحية ومسلمة ويهودية بوصفها أعضاء في إنسانية واحدة، وجعل من التسامح والتعايش والانفتاح على الآخر جزءًا أساسيًا من تطور بطله، الذي ينتقل من الاعتماد على الأفكار المسبقة إلى القدرة على التفكير بنفسه.









