سلّط الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر الشريف السابق وأستاذ البلاغة والنقد، الضوء على سر بياني فريد في التعبير القرآني الوارد في مستهل سورة «المؤمنون» في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. وأوضح، خلال تقديمه برنامج «بلاغة القرآن والسنة» المذاع عبر قناة "الناس"، أن النظم المعتاد في اللغة والاستعمال القرآني في مواضع أخرى جاء بصيغة الإيتاء أو الأداء؛ كقوله تعالى ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، أو كما يقول القائل "أديت زكاة مالي" و"أعطيت زكاتي"، إذ لا يُقال في العرف اللغوي "فعلت الزكاة"، وهو ما أثار إشكالاً بلاغياً عميقاً استوقف كبار أئمة البلاغة كالإمام الخطابي.
الفارق الدلالي بين مجرد الأداء وصفة "الفاعلين"
وبين رئيس جامعة الأزهر الفارق الدقيق بين التعبيرين، موضحاً أنه لو جاء السياق القرآني بلفظ ﴿للزكاة مؤدون﴾، لدلّ اللفظ على مجرد الإخراج العارض أو وقوع الأداء لمرة واحدة فحسب، دون أن يعكس استقرار هذا السلوك في نفوس أصحابه. وأكد أن القرآن الكريم عدل عن لفظ "مؤدون" أو "مؤتون" إلى صيغة الاسم ﴿فَاعِلُونَ﴾ لإفادة معنى زائد يتجاوز مجرد إخراج المال إلى كمال الرسوخ والثبات في امتثال أمر الله تعالى.
المواظبة الدائمة وتحول العبادة إلى عادة
وأشار الدكتور سلامة داود إلى أن التعبير بـ ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ أفاد أمرين مجتمعين: أداء الفريضة من جهة، و"المواظبة والاستمرار" على إخراجها من جهة أخرى؛ حتى غدت الزكاة فعلاً متأصلاً وسجية لازمة وعادة راسخة للمؤمن لا تنفك عنه أبداً. ولفت إلى أن المؤمن الصادق لا يخرج الزكاة عاماً ويتكاسل عنها عاماً آخر، بل يتحرى أداءها بحرص دائم وتفقد مستمر لمصارفها الشرعية، مستحقاً بذلك مدح الخالق وثنائه.
دقة الإعجاز البياني في رسم ملامح الفلاح
واختتم أستاذ البلاغة والنقد حديثه بالتأكيد على أن كل حرف وكل اشتقاق لغوي في كتاب الله يأتي في موضعه بحكمة بالغة لا يؤدي غيره مقصده؛ حيث جاءت صفة ﴿فَاعِلُونَ﴾ كدليل على أن المؤمنين اتخذوا من البذل والعطاء منهج حياة متواصلاً، لتكتمل بهذا النظم المعجز أركان الفلاح التي افتتحت بها الآيات في وصف أهل الجنة.









