من السهل أن نستخدم التكنولوجيا، وأن تصبح جزءًا من حياتنا اليومية، لكن من الصعب أحيانًا أن نفهم كيف تعمل، وما الذي يحدث في المساحة الخفية وراء الشاشات التي ننظر إليها طوال الوقت، فنحن نستخدم الهواتف المحمولة، ونتسوق عبر الإنترنت، ونتبادل الصور والمعلومات، ونفتح الروابط التي تصل إلينا، وربما نفعل ذلك كله دون أن نعرف طبيعة المخاطر التي يمكن أن نتعرض لها، أو الطرق التي نستطيع بها حماية أنفسنا، وهذه المسافة بين استخدام التكنولوجيا وفهمها هي المساحة التي يتحرك فيها كتاب "خفايا الإنترنت.. كيف تحمي نفسك من المصائد الإلكترونية؟" للدكتور محمد بدرت بدير، الصادر حديثا عن مؤسسة بتانة الثقافية.
وأعتقد أن أهمية هذا الكتاب تبدأ من فكرته في تقريب المعرفة العلمية إلى الناس، فهناك موضوعات كثيرة تبدو حكرًا على المتخصصين، بسبب طبيعة المصطلحات المستخدمة فيها، أو الطريقة التي تقدم بها المعلومات. والأمن السيبراني واحد من هذه الموضوعات، فهو يرتبط بعالم شديد التعقيد، تتداخل فيه البرمجة والشبكات والبيانات والأنظمة الإلكترونية، ومع ذلك فإن تأثيره يصل إلى كل إنسان يستخدم هاتفًا أو يمتلك حسابًا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. ومن هنا تأتي ضرورة أن تتحول هذه المعرفة إلى ثقافة عامة، يستطيع الجميع أن يستفيدوا منها، كل بحسب احتياجاته.
اختار محمد بدرت بدير أن يبدأ من المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها مستخدم الإنترنت، ثم ينتقل إلى وسائل الحماية منها، وهو ترتيب له أهميته في بناء الكتاب، لأنه يجعل القارئ يفهم المشكلة أولًا، ويتعرف إلى أسبابها وطرق حدوثها، ثم يدرك الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمواجهتها. وقد قسم المؤلف كتابه إلى فصلين رئيسيين، يتناول الأول مهددات الأمن السيبراني ومخاطره، بينما يتناول الثاني الأمن السيبراني ووسائل حماية الخصوصية والبيانات، وصولًا إلى مجموعة من التوصيات العملية والمصطلحات الأساسية.
واللافت في طريقة الكتابة أن المؤلف يحاول باستمرار تقريب المفاهيم إلى ذهن القارئ، فيستخدم الشرح المباشر، ويستعين بالأمثلة والتشبيهات، ويضع المصطلح الإنجليزي إلى جانب المقابل العربي، بما يسمح للقارئ بالتعرف إلى هذه المفاهيم وفهم المقصود منها، وهو اختيار مهم، لأن القارئ غير المتخصص يحتاج إلى أن يعرف معنى المصطلح، وأن يدرك علاقته بحياته، وأن يتمكن من تمييزه إذا صادفه مرة أخرى.
فعندما يتحدث المؤلف عن الفيروسات والديدان الإلكترونية وأحصنة طروادة، يشرح الفروق بينها من خلال طريقة عمل كل منها، وكيفية انتقالها إلى الأجهزة، وعندما يتناول هجمات الحرمان من الخدمة، يشبهها بتجمع آلاف الأشخاص أمام متجر صغير، بما يمنع الزبائن الحقيقيين من الدخول إليه، وهنا تتحول عملية تقنية معقدة إلى صورة مألوفة يمكن تخيلها وفهمها، وتصبح المعلومة أقرب إلى القارئ، وتستقر في ذهنه بصورة أفضل.
ويبدو هذا الأسلوب أكثر وضوحًا في تناول التصيد الاحتيالي، وهو من الموضوعات التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة. يشرح المؤلف كيف يمكن أن تصل رسالة تحمل اسم بنك أو مؤسسة معروفة، وتطلب من صاحبها تحديث بياناته، أو تحذره من إغلاق حسابه، أو تخبره بأنه فاز بجائزة. ويوضح أن المحتال يعتمد على إثارة الخوف أو الفضول أو الإلحاح، حتى يدفع الشخص إلى التصرف بسرعة، وبذلك يقدم الكتاب معرفة تتجاوز الجانب التقني إلى فهم السلوك الإنساني، والطريقة التي يمكن استغلال مشاعره من خلالها.
ويتوقف المؤلف أيضًا عند التزييف العميق، وما يتيحه من إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو مصطنعة، تبدو في بعض الأحيان شديدة القرب من الواقع، وهذه القضية تفتح بابًا أوسع للتفكير في علاقتنا بالمعلومات التي نتلقاها، ومدى ثقتنا فيما نراه ونسمعه، خاصة مع الانتشار الكبير لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فالإنسان أصبح مطالبًا بأن يمتلك قدرًا من الوعي يساعده على التحقق مما يصل إليه، وأن يتعامل مع المحتوى الرقمي باعتباره مادة تحتاج إلى الفحص والتفكير.
ومن الجوانب الجيدة في الكتاب أن المؤلف يربط المعلومات بالإجراءات العملية، فعندما ينتقل إلى وسائل الحماية، يتناول كلمات المرور، والمصادقة متعددة العوامل، والتشفير، والنسخ الاحتياطي، وحماية الشبكات والأجهزة، ويشرح أهمية كل إجراء، والدور الذي يؤديه في الحد من المخاطر، وهذا الربط بين المعرفة والتطبيق يمنح الكتاب وظيفة إرشادية، ويجعل القارئ قادرًا على تحويل بعض ما يتعلمه إلى سلوك يومي.
كما يتسع الكتاب لموضوعات أكثر تخصصًا، تتعلق بحماية المؤسسات والشبكات، وإدارة صلاحيات الوصول، واختبارات القرصنة الأخلاقية، وأمن المواقع الإلكترونية. ويكشف هذا الاتساع عن رغبة المؤلف في تقديم صورة شاملة عن المجال، وإن كانت بعض هذه الموضوعات تحتاج إلى جهد إضافي من القارئ العام، بسبب طبيعتها التقنية. وربما كان استخدام مزيد من الرسوم التوضيحية والجداول المقارنة سيساعد على جعل هذه الأجزاء أكثر سهولة، ويحقق قدرًا أكبر من التوازن بين التفاصيل العلمية والتبسيط.
وأرى أن الكتاب يطرح، من خلال موضوعه وطريقة كتابته، قضية ثقافية مهمة، تتعلق بكيفية إتاحة المعرفة للجميع، فالمعرفة العلمية التي تبقى داخل دوائر المتخصصين تظل محدودة التأثير في المجتمع، بينما يسهم شرحها بلغة واضحة في توسيع الاستفادة منها، وهذه مهمة تحتاج إلى الدقة في اختيار المعلومات، والوعي بمستويات القراء، والقدرة على الانتقال من الفكرة المجردة إلى المثال الذي يوضحها.
وفي تقديري أن كتاب "خفايا الإنترنت" ينتمي إلى هذا النوع من الكتابة الذي نحتاج إلى التوسع فيه، خاصة في المجالات التي أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية. فقيمته الأساسية تكمن في سعيه إلى جعل القارئ أكثر فهمًا للعالم الرقمي الذي يعيش فيه، وأكثر قدرة على التعامل مع مخاطره، والكتاب يذكرنا بأن نشر المعرفة مسؤولية ثقافية، وأن تبسيط العلوم والتكنولوجيا يساعد على بناء مجتمع أكثر وعيًا، يستطيع أفراده الاستفادة من أدوات العصر، وفهم ما تقدمه لهم، وإدراك ما يمكن أن يترتب على استخدامها من نتائج.









