وفقا لفلسفة خبيرة التنظيم مارى كوندو، فإن المنزل المرتب هو المنزل الأفضل، لكن مقولة شهيرة تُنسب إلى الفيزيائى ألبرت أينشتاين تطرح وجهة نظر مختلفة، إذ تقول: "إذا كان المكتب المزدحم دليلا على عقل مشوش، فماذا يدل المكتب الفارغ إذن؟"، وتدعم دراسة حديثة أجراها باحثون على 22 أسرة، أن الفوضى المنزلية ليست بالضرورة مشكلة يجب التخلص منها، بل قد تكون مفيدة فى بعض الأحيان.
وتشير نتائج البحث، الذى تناول حياة أسرية داخل 22 منزلا، إلى أن الفوضى لا تعنى دائما سوء التنظيم، فقد تساعد أفراد الأسرة على أداء مهامهم اليومية وتجعل الحياة أكثر سهولة، فبعض الأشياء التى تبدو فى غير موضعها قد تكون موجودة فى أماكنها الحالية لأنها تخدم احتياجات السكان وتساعدهم على تذكر مهامهم وإنجازها، بحسب japantoday.

عندما تجعل الفوضى الحياة أسهل
تظهر الفوضى بصورة واضحة فى المساحات المنزلية التى تؤدى أكثر من وظيفة، مثل غرفة المعيشة التى تتحول إلى منطقة للعب، أو غرفة النوم التى تُستخدم أيضا مكتبا للعمل، وروى أحد الزوجين أن طاولة الطعام فى منزلهما تتحول خلال اليوم إلى مكان لوضع الحقائب وزجاجات المشروبات وغيرها من الأغراض، قبل أن يعيدا ترتيبها كل مساء، فيما أوضح شخص آخر أن ترك بعض الأشياء على طاولة المطبخ يساعده على تذكرها قبل مغادرة المنزل.
ورغم أن هذه المساحات قد تبدو غير مرتبة، فإنها تساعد أفراد الأسرة على تنفيذ روتينهم اليومى، وقد يؤدى الإصرار على إبقائها منظمة طوال الوقت إلى تعطيل بعض المهام، فالفوضى التى تبدو للوهلة الأولى عائقا أمام الحياة اليومية قد تكون فى الواقع جزءا من الطريقة التى يستخدم بها السكان منازلهم.
وبالنسبة إلى إحدى الأمهات، كانت طاولة المطبخ تؤدى دور طاولة الطعام ومساحة العمل لها ولابنتها فى الوقت نفسه، ورغم تراكم الأقلام والألعاب وغيرها من الأشياء عليها، فإنها لا ترى ضرورة لإزالتها طالما بقيت مساحة كافية لتناول الطعام، وقالت: "طالما أن هناك مساحة لتناول الطعام، فأنا أتركها كما هي".
كما يمكن أن تعكس الفوضى طبيعة العلاقات بين أفراد الأسرة، إذ روى أحد الآباء أنه يترك سترة ابنته معلقة على ظهر الكرسى بدلا من إعادتها إلى مكانها، بعدما كانت تتركها سابقا على الأرض، موضحا أنه يعتبر ذلك تقدما يستحق التشجيع، وقال: "لذا أعتبر ذلك نجاحا"، وفى موقف آخر، قالت امرأة إنها تتقبل بعض فوضى شريكها لأنه "يعيش هنا أيضا"، مؤكدة أن تنظيم المنزل المشترك لا ينبغى أن يخضع لمفهوم شخص واحد فقط عن النظافة والترتيب.
وتوضح هذه الأمثلة أن الحرص على وضع كل شيء فى مكانه قد يتعارض أحيانا مع تشجيع الأطفال على التقدم، أو احترام عادات الشريك واحتياجاته، فعندما نمنح الآخرين مساحة للتصرف وفق أساليب حياتهم، قد يكون ترك بعض الأشياء فى أماكنها أكثر مراعاة من إعادتها إلى مواضعها المعتادة.
متى تصبح الفوضى مشكلة تستدعى الترتيب؟
لا يعنى ذلك ضرورة التوقف عن ترتيب المنازل أو تقبل جميع أشكال الفوضى، فقد ربطت دراسات سابقة بين الفوضى المنزلية والتوتر والشعور بالإحراج والنزاعات بين أفراد الأسرة، كما يمكن أن تجعل الفوضى العثور على الأشياء أكثر صعوبة، أو تمنع استخدام بعض المساحات، أو تزيد الأعباء على أفراد آخرين داخل المنزل.
ولا تنفى الدراسة الجديدة هذه المشكلات، لكنها تشير إلى ضرورة النظر إلى ما وراء المظهر الخارجى للمكان، لفهم ما إذا كانت الفوضى تسبب صعوبات حقيقية أم أنها تؤدى وظيفة مفيدة فى حياة السكان، فليس كل ما يبدو غير مرتب يمثل بالضرورة مشكلة، كما أن بعض الأشياء قد تكون موجودة فى أماكنها الحالية لتسهيل أداء مهام يومية محددة.
ووجد الباحثون أن الأسر تعتمد على 3 أساليب رئيسية للتعامل مع الفوضى، هى التخلص من الأشياء، أو التعايش معها، أو إخفاؤها عن الأنظار، وروت إحدى المشاركات أنها كانت تضع كرات الغولف الخاصة بشريكها وأغراضه الأخرى أسفل خزانة حتى لا تكون ظاهرة، بينما فضلت امرأة أخرى الاحتفاظ بمكملاتها الغذائية اليومية فوق طاولة المطبخ بدلا من وضعها داخل خزانة المؤن، لأن ذلك يساعدها على تذكر تناولها.
وتكشف هذه التصرفات جانبا لم تحظ به الدراسات السابقة باهتمام كاف، وهو أن تنظيم المنزل يتطلب الموازنة بين احتياجات أفراد الأسرة وروتينهم اليومى وتوقعاتهم المختلفة، فما يراه أحد الأشخاص فوضى قد يكون ضروريا بالنسبة إلى شخص آخر، كما أن ترتيب المنزل لا يرتبط دائما بإزالة الأشياء، بل أحيانا باختيار المكان الأنسب لاستخدامها.
المنزل المنظم ليس بالضرورة الأكثر نظافة
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الترتيب نادرا ما يكون حالة ثابتة، فالمساحات المنزلية تصبح فوضوية مع الاستخدام اليومى، ثم يعاد تنظيمها عند الحاجة، قبل أن تتراكم فيها الأشياء مرة أخرى، ولذلك فإن محاولة الحفاظ على نظام مثالى ودائم قد تتطلب تكرار تغيير ترتيبات تؤدى بالفعل أغراضا مفيدة لأفراد الأسرة.
ولا تعنى هذه النتائج ضرورة التسامح مع جميع أشكال الفوضى، لكنها توضح أن المنزل الذى يبدو منظما بصورة مثالية ليس بالضرورة المنزل الأنسب لسكانه، فالمظهر الخارجى وحده لا يكفى للحكم على مدى جودة تنظيم المساحة، خاصة عندما تكون بعض الأشياء المتراكمة جزءا من الروتين اليومى وتساعد أصحاب المنزل على تلبية احتياجاتهم.
وبحسب الدراسة، ربما يكون المعيار الأكثر أهمية لتقييم المنزل المنظم هو مدى ملاءمته لاحتياجات الأشخاص الذين يعيشون فيه، وليس مدى خلوه من الأشياء أو نظافته الظاهرية، فبعض الفوضى البسيطة قد تكون وسيلة عملية لتسهيل الحياة، كما أن احترام عادات أفراد الأسرة قد يكون أحيانا أهم من الالتزام بترتيب مثالى لا يناسب الجميع.









