لم يقتصر مفهوم السعى فى التراث الإسلامى على الحركة أو طلب الرزق، بل ارتبط بالعمل والعبادة والمسؤولية والجزاء، وأصبح من المفاهيم التى تناولها القرآن الكريم والسنة النبوية وكتب التفسير. وبين السعى إلى المعاش والسعى إلى الآخرة، ناقش العلماء علاقة الإنسان بأفعاله، وحدود جهده، وصلته بالتوكل على الله، فهل تعنى الآية الكريمة «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى» أن الإنسان يحقق بالضرورة كل ما يجتهد من أجله؟
ماذا قال المفسرون عن السعى؟
ورد قوله تعالى فى سورة النجم: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾، الآيات 39 إلى 41.
وفسر الإمام الطبرى، المتوفى سنة 310 هجرية، السعى هنا بالعمل الذى يُجازى عليه الإنسان، سواء كان خيرًا أو شرًا، بينما تناول ابن كثير، المتوفى سنة 774 هجرية، الآية فى سياق المسؤولية الفردية والثواب.
وبذلك تتعلق الآيات أساسًا بالعمل والجزاء، ولا تتضمن وعدًا بأن كل مجتهد سيحقق بالضرورة أهدافه الدنيوية.
طلب الرزق.. العمل لا يناقض التوكل
يقول تعالى فى سورة الملك: ﴿فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾، الآية 15.
وشرح ابن كثير الآية باعتبارها دعوة إلى الانتقال فى الأرض وطلب المكاسب والتجارة، مؤكدًا أن اتخاذ الأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله.
وفى الحديث النبوى الذى رواه البخارى عن المقدام بن معديكرب، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبى الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».
ويبرز الحديث قيمة الكسب والعمل، وما يرتبط بهما من الاستعفاف وتحمل المسؤولية.
هاجر والصفا والمروة.. السعى يتحول إلى شعيرة
يحضر السعى بمعناه الحركى والتعبدى فى الحج والعمرة، من خلال السعى بين الصفا والمروة، المرتبط بقصة هاجر أم إسماعيل عليه السلام.
وتروى السنة النبوية أن هاجر انتقلت بين الصفا والمروة سبع مرات بحثًا عن الماء لطفلها، قبل ظهور ماء زمزم، وأصبحت هذه الحركة جزءًا من الشعائر الإسلامية.
وتجمع القصة، فى دلالاتها الدينية، بين الثقة بالله وبذل الجهد، إذ لم تتوقف هاجر عن البحث رغم صعوبة ظروفها.
هل كل سعى محمود؟
لم يربط القرآن الكريم السعى بالخير دائمًا، فقد جاء فى سورة الليل: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، الآية الرابعة، فى سياق اختلاف أعمال البشر وغاياتهم.
كما ورد فى سورة البقرة وصف من يسعى فى الأرض للإفساد، مما يكشف أن قيمة السعى ترتبط بطبيعة العمل ومقصده.
وهكذا يقدم التراث الإسلامى تصورًا للسعى يجمع بين العمل والأخذ بالأسباب والمسؤولية الأخلاقية، مع التمييز بين الجهد الذى يبذله الإنسان والنتائج التى لا يملك ضمان تحققها.









