تشهد الساحة الإبداعية اليوم تحولات لافتة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول شكل القصيدة ومستقبلها، وسط مشهد مشحون بالتنافس بين الأشكال التعبيرية المتعددة.
وإذا كانت رحلة الشعر العربي الحديث قد انطلقت عبر تدرجات تاريخية واعية، فإن فهم طبيعة المرحلة الراهنة يستدعي تتبع تلك الجذور التي مهدت لعودة القيم الصوتية (مثل الوزن والقافية) إلى واجهة المشهد من جديد، في استجابة لمتغيرات العصر وأدواته التقنية، وتطوراته.
فقد ظهرت قصيدة التفعيلة العربية عبر مراحل تاريخية طويلة مرت بها القصيدة العربية بدءا من التخلي في عصور الرفاهة العربية عن الانضباط الكامل للوزن والقافية لصالح الغناء خاصة في الشعر الأندلسي والعباسي، وقد بدا هذا التخلي معتمدا على مطالعة النص مكتوبا في بعض حالاته.
ثم عرفت الثقافة العربية المطبعة في أوائل القرن التاسع عشر، معتمدة على تراث كامل من التعامل الصوتي مع الشعر، وعلى مدار قرن تقريبا حاول الإحيائيون مثل شوقي والبارودي العودة إلى نقطة انطلاق تمسكوا فيها بالقواعد الصوتية مع محاولات تطوير مضمونية محدودة.
لكن انتشار الطباعة والكتاب أفرز تحولاً اجتماعيا وثقافيا عميقا؛ حين أصبحت "القراءة الصامتة" هي الوسيلة الأهم للتواصل مع القصيدة، مما سوغ للشعراء التخلي عن تلك القيم الصوتية التي لم يعتمد القراء عليها أصلا من أصول تلقي الشعر، إضافة إلى عناصر التحول الثورية التي أحدثت طفرة في النظر إلى الموضوعات الشعرية وتعبيرها عن الذات.
وقد امتدت هذه الفترة منذ منتصف القرن العشرين حتى وقتنا الراهن، وقد تطورت فيها تلك النظرة لتصبح "قصيدة النثر" نموذجا جديدا يعتمد القطيعة الكاملة مع التراث؛ لا مع القيم الصوتية فحسب، وقطيعة العقل مع كل ماضٍ، حيث الإبداع خصيصة بشرية أساسية، وحيث الفردية ومركزية الذات هما المحرك الأول لرؤية العالم والتعبير عنه جماليا.
أما الآن فإن العودة إلى الصوت تمثل ركيزة مهمة للشعر، إلى جانب حضور قصيدة النثر، فالمنصات الرقمية، والمسابقات الشعرية المذاعة على الشاشات، والتي تستلزم حضور الشاعر وإلقائه لشعره في طقسية تتشابه مع الأشكال الشعرية القديمة، كل ذلك جعل من عودة القيم الصوتية إلى القصيدة ركيزة أساسية من حيث اعتمادها على السماع للوهلة الأولى مرة أخرى.
لكن هذه العودة لم تكن محض استعادة للقديم، فالمستمع لم يعد جزءا من جمهور، لكنه صار الفرد الذي يشعر بأنه مركز العالم، وأن له صوته الخاص، بالإضافة إلى أن طقسية الأداء لم تعد تعتمد على تواصل لحظي مباشر مع متلقين مجتمعين في مكان واحد، لكنها تتوجه إلى عدد هائل من الأفراد المنتشرين في أنحاء العالم، وربما يترك بعضهم العرض الشعري، ويتحول إلى عرض آخر إذا لم يجد فيه ما يجذبه.
كل هذه السمات تجعل من القصيدة الخليلية نموذجا مطروحا الآن مرة أخرى على المشهد الإبداعي، نموذجا يحاول البقاء باستلهام عناصر القوة في شعر التفعيلة وقصيدة النثر، وربما تنتج هذه المحاولة شكلا جديدا، لكنه بالتأكيد سيؤكد عودة القيم الصوتية مرة أخرى إلى القصيدة، وهو ما يمكن أن يتجاور لفترة مع الأشكال المستقرة الآن، بما يمثل ثراء للمشهد الشعري العربي مرة أخرى بوصفه مرآة محتملة للتطورات التقنية والرقمية.
لكن الجانب الأكثر أهمية أنه سيعيد تلك القصيدة مرة أخرى إلى الانتشار الجماهيري، بعد ما كان الشعر محصورا في كونه فنا للنخبة، وربما يكون ذلك هو الأثر الأكثر أهمية في هذه العودة.









