الأحد، 8 نوفمبر 2026
بتوقيت القاهرة
عاجل
◆مواقيت الصلاة اليوم الأحد 8 – 11 – 2026 في القاهرة والمحافظات◆كتائب “سيد الشهداء” العراقية تنفي توقيع أي اتفاق بشأن تسليم سلاحها◆دراستان عالميتان تكشفان معدلات الإصابة الكلوية والوفاة لدى مرضى تشمّع الكبد◆منع المركبات وتحديد مسارات المشاة.. تعديلات مرورية بساحة محطة مصر لتطوير كوبري 6 أكتوبر◆كنا فين وبقينا فين.. من محدودية الرقعة الزراعية إلى استصلاح ملايين الأفدنة◆تشيلسي يطمح لتعميق جراح سندرلاند فى الدوري الإنجليزي◆ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول الفاكهة ليلا؟◆رادار المرور يلتقط 1002 سيارة تسير بسرعات جنونية فى 24 ساعة◆أذكار الصباح اليوم الأحد 8 نوفمبر 2026.. أدعية تحفظ المسلم وتفتح أبواب الرزق◆منال عوض: تنفيذ توصيات تطوير الطرق المحلية بالمحافظات خلال 3 سنوات◆رئيس الوزراء العراقي يرد على بيان كتائب “سيد الشهداء”: لا سلاح خارج الدولة◆زلزال قوي يضرب غرب اليابان ويتسبب في إصابة 20 شخصا واضطرابات في حركة القطارات
مقالات

دبلوماسية الإنقاذ..الدور المصري في حل الأزمة الأمريكية الإيرانية

يمثل تحذير فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع رئيسة سلوفينيا ناتاشا بيرتس موسار، رسالة سياسية تتجاوز الدعوة التقليدية إلى وقف التصعيد، إذ وضع الرئيس جوهر الأزمة أمام واشنطن وطهران بوضوح، محذرا…

يمثل تحذير فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع رئيسة سلوفينيا ناتاشا بيرتس موسار، رسالة سياسية تتجاوز الدعوة التقليدية إلى وقف التصعيد، إذ وضع الرئيس جوهر الأزمة أمام واشنطن وطهران بوضوح، محذرا من أن البديل عن الحوار ستكون له نتائج كارثية على المنطقة والعالم، ومشددًا على ضرورة التحرك قبل فوات الأوان.

كما ناشد الولايات المتحدة وإيران إبداء أكبر قدر ممكن من المرونة لإيجاد مساحات تفاهم مشتركة تتيح التوصل إلى تسوية تراعي الشواغل والمطالب الرئيسية للطرفين، وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من أنها تنطلق من قراءة مصرية لطبيعة الحرب وتداعياتها؛ فالمواجهة إذا خرجت عن حدودها الحالية لن تكون مجرد صدام عسكري بين دولتين، وإنما قد تتحول إلى أزمة ممتدة تضرب أمن الخليج وأسواق الطاقة والتجارة الدولية، وتفتح جبهات جديدة يصعب احتواء نتائجها.
والأكثر دلالة أن الرئيس السيسي أكد ثقته في قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دعم جهود التسوية، مشيرًا إلى استعداد مصر لمواصلة التحرك بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، كما شدد على رفض مصر القاطع لأي تهديد لأمن السعودية ودول الخليج، مؤكدًا أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تتجزأ. وهنا تتضح الرسالة المصرية في مستويين متكاملين: أن الحوار ليس تنازلًا عن المصالح، بل ضرورة لحمايتها، وأن أمن المنطقة لا يجوز أن يكون رهينة لحسابات المواجهة بين القوى المتصارعة.

ولا يمكن قراءة التحرك المصري في الأزمة الأمريكية الإيرانية باعتباره مجرد وساطة دبلوماسية بين طرفين يخوضان مواجهة عسكرية، فالقاهرة تتعامل مع أزمة تتجاوز حدود الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، لتلامس مستقبل التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وحدود النفوذ الإقليمي، وأمن الخليج، وممرات الطاقة والتجارة الدولية، ومن هذا المنطلق، فإن المصلحة المصرية لا ترتبط بانتصار طرف على حساب الآخر، وإنما بمنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة تعيد تشكيل المنطقة وفق حسابات القوة العسكرية، وتضع الدول العربية أمام واقع أمني واقتصادي بالغ التعقيد، فمصر تدرك أن تداعيات الصراع لن تتوقف عند حدود واشنطن وطهران، وأن أي اختلال في موازين القوى ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي العربي ومصالح القاهرة الاستراتيجية.

وتنبع أهمية التحرك المصري من أنه بدأ قبل وصول الأزمة إلى المواجهة العسكرية المباشرة بعد أحداث 12 يوم، حيث تعاملت القاهرة مع الملف النووي الإيراني باعتباره قضية أمن إقليمي تحتاج إلى معالجة سياسية وفنية، وليس مجرد خلاف بين إيران والقوى الغربي، وقد تجسد ذلك في استضافة مصر، في سبتمبر 2025، اجتماعًا ثلاثيا جمع وزير الخارجية المصري ونظيره الإيراني والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بهدف استئناف التعاون بين طهران والوكالة وإعادة بناء الثقة بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني، وتكمن الدلالة السياسية لهذه الخطوة في أن مصر استطاعت توفير مساحة للحوار بين أطراف كانت تواجه صعوبات كبيرة في التواصل، كما أثبتت أن لديها القدرة على توظيف علاقاتها الدبلوماسية في معالجة ملفات شديدة الحساسية، فالقاهرة لم تنتظر انفجار الأزمة لتتحرك، وإنما حاولت معالجة أحد أهم أسبابها قبل أن يتحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية.

ويرتبط هذا التحرك برؤية مصرية تاريخية تجاه منع انتشار الأسلحة النووية، بدأت مع المبادرة المصرية عام 1974 لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، فالقاهرة لا تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بمعزل عن البيئة الاستراتيجية المحيطة، ولا ترى أن تحقيق الأمن الإقليمي يمكن أن يقوم على تطبيق قواعد عدم الانتشار على دولة وتجاهل الاختلالات النووية الأخرى في المنطقة، ولذلك، تجمع الرؤية المصرية بين احترام حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وضرورة التزامها بالضمانات الدولية، وبين المطالبة بإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهذه المقاربة تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الأمن لا يمكن أن يتحقق بالانتقائية أو باحتكار القدرات الاستراتيجية، وإنما بقواعد متكافئة تسري على الجميع.

ومع انتقال الأزمة إلى المواجهة العسكرية، أصبح التحدي أمام القاهرة هو منع تحول الضربات المتبادلة إلى حرب استنزاف طويلة، فواشنطن تمتلك تفوقا عسكريًا كبيرا، لكنها لا تستطيع ضمان أن يؤدي استخدام القوة إلى إزالة مصادر التهديد أو إنهاء الطموحات الاستراتيجية الإيرانية، في حين تمتلك طهران أدوات للرد ورفع تكلفة المواجهة، لكنها تدرك أن استمرار الحرب سيضاعف أعباءها الاقتصادية والسياسية ويعرض بنيتها العسكرية لمزيد من الاستنزاف، وبين هذين الحسابين تتحرك الدبلوماسية المصرية، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين، لتوسيع المساحة المتاحة أمام الحل السياسي، فالقاهرة تدرك أن كليهما قد يصل إلى لحظة يكتشف فيها أن تكلفة الاستمرار في الحرب تفوق المكاسب المحتملة، وهذه اللحظة تمثل المدخل الحقيقي لإعادة إطلاق التفاوض.

وفي هذا السياق، تكتسب الاتصالات الرئاسية المصرية مع واشنطن وطهران أهمية تتجاوز تبادل المواقف الرسمية؛ لأنها تعكس محاولة للحفاظ على قنوات اتصال مباشرة في ظل تراجع الثقة وتصاعد الحسابات العسكرية، فمصر تمتلك علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات دبلوماسية مع إيران، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك لا تتوافر بالدرجة نفسها لجميع الأطراف، لكن أهمية هذه العلاقات لا تكمن في مجرد نقل الرسائل، بل في القدرة على شرح مخاوف كل طرف للطرف الآخر، والبحث عن صيغة تفاوضية تسمح بمعالجة الملف النووي والعقوبات والضمانات الأمنية دون اشتراط تسوية جميع الخلافات دفعة واحدة، فالتفاوض الناجح يحتاج إلى ترتيب الأولويات، والبدء بالملفات الأكثر قابلية للحل، بدلًا من تحميله بقضايا متشابكة قد تؤدي إلى انهياره قبل أن يبدأ.

غير أن القاهرة تنظر إلى الأزمة من منظور أوسع من الحسابات الأمريكية الإيرانية، إذ تعتبر أن أمن الخليج العربي يمثل جزءًا أصيلًا من أمنها القومي، ولذلك، فإن أي تسوية تتجاهل المخاوف الأمنية لدول الخليج ستظل ناقصة، حتى إذا نجحت في معالجة بعض جوانب الملف النووي، فالدول العربية ليست أطرافا هامشية في هذه المواجهة، بل تتحمل مخاطر مباشرة تتعلق بأمن أراضيها ومنشآتها النفطية وبنيتها التحتية، ومن ثم، فإن الموقف المصري يجمع بين رفض الاعتداءات التي تستهدف الدول العربية، ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات للصراع، والتأكيد على ضرورة احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها، كما أن القاهرة تدرك أن استقرار العلاقات الإيرانية العربية يمثل شرطًا مهمًا لأي نظام أمني إقليمي قابل للاستمرار، وأن معالجة الخلافات بين طهران وجيرانها لا تقل أهمية عن التفاهمات التي يمكن أن تتوصل إليها مع واشنطن.

ومن هنا تبرز أهمية التنسيق المصري مع السعودية وتركيا وباكستان ضمن مجموعة R4، باعتباره محاولة لتوسيع دائرة التأثير الإقليمي في مسار الأزمة، فهذه المجموعة تتيح جمع دول تمتلك علاقات وأدوات اتصال مختلفة مع الأطراف المعنية، بما يساعد على تبادل الرسائل وتهيئة الظروف أمام تفاهمات سياسية، وتدرك القاهرة أن التعامل مع أزمة بهذا الحجم لا يمكن أن يعتمد على الوساطة الثنائية وحدها، وأن وجود إطار إقليمي للتشاور يرفع من فرص إدراج المصالح العربية في أي ترتيبات مقبلة، كما أن التنسيق مع قطر وسلطنة عمان والقوى الأوروبية يتيح تعدد قنوات التواصل، ويقلل من احتمالات احتكار طرف واحد لمسار التفاوض أو فرض تسوية لا تراعي تعقيدات المنطقة.

ولا تنفصل هذه التحركات عن المصالح الاقتصادية المصرية، فاستمرار المواجهة يهدد أسواق الطاقة ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، كما أن أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب والبحر الأحمر ينعكس على حركة الملاحة عبر قناة السويس، بما يحمله ذلك من تداعيات على موارد النقد الأجنبي والاقتصاد المصري، ولذلك، فإن القاهرة لديها مصلحة مباشرة في ضمان حرية الملاحة وعدم استخدام الممرات البحرية أدوات للضغط السياسي أو العسكري، والمهم هنا أن مصر تدرك أن حماية هذه الممرات لا تتحقق بالقوة البحرية وحدها، وإنما تحتاج إلى تفاهمات سياسية تضمن عدم استهداف السفن التجارية واحترام قواعد القانون الدولي، لأن استمرار التهديدات سيبقي تكلفة التجارة العالمية مرتفعة حتى في غياب المواجهة المباشرة.

ويظل العامل الإسرائيلي أحد أكثر العناصر تعقيدًا في حسابات التسوية، لأن الخلاف الأمريكي الإيراني لا ينفصل عن التصورات الإسرائيلية لمستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط، فإسرائيل تنظر إلى القدرات النووية والصاروخية الإيرانية باعتبارها تهديدًا استراتيجيا، بينما تثير العمليات العسكرية واتساع نطاق المواجهة مخاوف من إعادة تشكيل المنطقة وفق اعتبارات أمنية إسرائيلية ضيقة، ومن هنا، فإن القاهرة معنية بألا تتحول التسوية إلى ترتيب ثنائي يضمن مصالح واشنطن وتل أبيب دون معالجة المخاوف العربية، أو يترك المجال مفتوحا أمام استمرار مصادر التوتر، فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يكون مستدامًا إذا ظل قائمًا على تفاوت القدرات وغياب الضمانات المتبادلة، وهو ما يعيد أهمية المبادرة المصرية الخاصة بإخلاء المنطقة من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

ومع ذلك، فإن نجاح الوساطة المصرية يظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، فالقاهرة تستطيع تقريب وجهات النظر، وتوفير قنوات اتصال، وبناء توافقات إقليمية ودولية، لكنها لا تستطيع فرض اتفاق على واشنطن أو طهران إذا ظلت حساباتهما الاستراتيجية تدفعهما إلى استمرار المواجهة، كما أن تعقيدات العقوبات والبرنامج النووي والقدرات الصاروخية والتدخلات الإقليمية تجعل التسوية عملية متعددة المستويات، تحتاج إلى ضمانات وآليات تنفيذ ومتابعة، ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي للتحرك المصري لا يتوقف عند وقف إطلاق النار، وإنما يمتد إلى تحويل التفاهمات المؤقتة إلى اتفاق مستدام يعالج أسباب الصراع ويمنع تجدد المواجهة.

وفي تقديري، فإن الرهان المصري ينبغي أن يتجه إلى الدفع نحو معادلة أمن إقليمي جديدة، لا تقتصر على تسوية الملف النووي، بل تشمل بناء الثقة بين إيران ودول الخليج، واحترام سيادة الدول، وضمان حرية الملاحة، ومنع انتشار الأسلحة النووية، وإيجاد آليات إقليمية للحوار وإدارة الأزمات، فالتجربة أثبتت أن الاتفاقات التي تعالج جانبًا واحدًا من الصراع وتترك بقية مصادر التوتر قائمة تظل هشة وقابلة للانهيار، أما التسوية الشاملة فتحتاج إلى إدراك متبادل بأن أمن أي دولة لا ينبغي أن يتحقق على حساب أمن جيرانها، وأن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة لا يمكن اختزالها في تفاهمات القوى الكبرى.

إن جوهر التحرك المصري هو منع تحويل الحرب الأمريكية الإيرانية إلى نقطة انطلاق لنظام إقليمي جديد تُفرض قواعده بالقوة، وتُحدد فيه مصالح الدول العربية بعيدًا عن إرادتها، فالقاهرة لا تسعى إلى أن تكون مجرد وسيط ينقل الرسائل بين المتصارعين، وإنما طرفا إقليميا يسهم في صياغة التسوية والدفاع عن المصالح العربية داخلها، ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية للدور المصري تكمن في الجمع بين المبادرة الدبلوماسية والخبرة في الملف النووي والتنسيق العربي والانفتاح الدولي، بهدف تحويل لحظة التصعيد إلى فرصة لإعادة بناء الأمن الإقليمي على أسس أكثر توازنا، فوقف الحرب ضرورة عاجلة، لكن الأهم ألا تنتهي المواجهة لتبدأ المنطقة الاستعداد لجولة جديدة منها.

المصدر: اليوم السابع

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts