الأحد، 8 نوفمبر 2026
بتوقيت القاهرة
عاجل
◆5 عادات بسيطة فى أكلك ويومك.. تحمى قلبك وتساعد على ضبط السكر والهضم◆مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية: الاحتلال يفرض قيودًا على دخول الخيام إلى قطاع غزة◆مواقيت الصلاة اليوم الأحد 8 – 11 – 2026 في القاهرة والمحافظات◆خبير استراتيجي: مصر تتجه لتصنيع المركبات المدنية والعسكرية لتقليل الاستيراد من الخارج◆كتائب “سيد الشهداء” العراقية تنفي توقيع أي اتفاق بشأن تسليم سلاحها◆دراستان عالميتان تكشفان معدلات الإصابة الكلوية والوفاة لدى مرضى تشمّع الكبد◆منع المركبات وتحديد مسارات المشاة.. تعديلات مرورية بساحة محطة مصر لتطوير كوبري 6 أكتوبر◆كنا فين وبقينا فين.. من محدودية الرقعة الزراعية إلى استصلاح ملايين الأفدنة◆تشيلسي يطمح لتعميق جراح سندرلاند فى الدوري الإنجليزي◆ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول الفاكهة ليلا؟◆رادار المرور يلتقط 1002 سيارة تسير بسرعات جنونية فى 24 ساعة◆أذكار الصباح اليوم الأحد 8 نوفمبر 2026.. أدعية تحفظ المسلم وتفتح أبواب الرزق
الفن والثقافة

خالد دومة يكتب: قوة العادة.. وتعطيل العقل

العادة قوة كبيرة تسعى إلى السيطرة على فكر الإنسان وجوارحه، حتى تستولي على مشاعره وتهيمن على حياته، فيمضي وفق ما تمليه عليه، دون أن يدرك أنه أصبح أسيرًا لها. يقف المرء أمامها مشلول الإرادة، تتحكم فيه وفي تصرفاته، وتملِي…

العادة قوة كبيرة تسعى إلى السيطرة على فكر الإنسان وجوارحه، حتى تستولي على مشاعره وتهيمن على حياته، فيمضي وفق ما تمليه عليه، دون أن يدرك أنه أصبح أسيرًا لها. يقف المرء أمامها مشلول الإرادة، تتحكم فيه وفي تصرفاته، وتملِي عليه أفعاله، فلا يملك ردًّا أو مخالفة، وكأنها تمسك بيده وتمضي به، بينما يعجز هو عن أن ينطق بكلمة أو يستدعي عقله لمراجعة ما يفعل.

وعندئذ تصبح العادة أشبه بشعيرة أو طقس ديني؛ فمخالفتها تبدو لصاحبها وكأنها مخالفة لعقيدته أو تخلٍّ عن دينه. إنها قيد يلتف حول عنق الإنسان، ويسلبه حريته وهو يقظ، فلا يعود قادرًا على النظر فيما يفعل أو التساؤل عن صوابه وخطئه. لا يسأل نفسه: هل هذه العادة صحيحة؟ هل تتفق مع قواعد العقل؟ وهل تتعارض مع الدين أو مقاصده؟ إن مجرد اعتياده عليها يكفيه عناء التفكير فيها.

فكيف تنشأ العادة؟ وكيف تشتد وتستحوذ على الإنسان حتى تصدر أفعاله عنها بصورة تلقائية، دون حاجة إلى جهد فكري؟ لعلها تستمد جانبًا كبيرًا من قوتها من التكرار؛ فالفعل الذي يتكرر يصبح مألوفًا، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى سلوك تلقائي، يعفي الإنسان من مشقة التفكير والاختيار في كل مرة. وهكذا لا تنتصر العادة على العقل بقدر ما تحجبه، وتستريح النفس إلى ما ألفته، حتى لو كان مخالفًا للمنطق أو لا يحقق مصلحتها.
والعادات ليست فردية فحسب، بل هناك عادات تتوارثها الأجيال، وتتحول إلى أعراف تسوق جماعات من الناس دون أن يتوقفوا أمامها ليتبينوا مدى صلاحيتها أو ضررها. لا شيء يدفعهم إلى التمسك بها سوى أنهم اعتادوها، وألفتها عقولهم وارتاحت إليها نفوسهم وضمائرهم. وقد لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليها أو حتى مجرد التنبيه إلى أخطائها؛ فإذا فعل، وقفت الجماعة في مواجهته، وربما بالغت في رد فعلها، فتعرضه للسب والشتم، وقد يصل الأمر عند بعضهم إلى اتهامه بالكفر والخروج عن الدين.
وهنا يبرز السؤال: كيف تتمكن العادة من الإنسان إلى هذا الحد، وتسلبه إرادته، ثم تعجزه عن التخلص منها؟
إن قطع شجرة اعتاد الإنسان أن يراها في طريقه كل يوم، ذهابًا وإيابًا، قد يترك في نفسه أثرًا من الحزن أو الضيق، لكنه سرعان ما يتجاوز الأمر مع مرور الوقت وينسى ما اعتاد رؤيته. فهذه عادة ارتبطت بشيء خارج عن تكوينه، وفُرض عليه فقده من الخارج. أما العادة التي يصنعها الإنسان لنفسه، أو يلازمها حتى تصبح جزءًا من تكوينه النفسي، فإنه لا يستطيع التخلص منها بالسهولة نفسها؛ لأنه يشعر حين يتخلى عنها كأنه يتخلى عن جزء من ذاته.
فالعادة قد تصبح مع مرور الزمن جزءًا من شخصية الإنسان، فإذا استغنى عنها شعر بالنقص وعدم الاكتمال، وربما احتاج إلى عادة جديدة تحل محل القديمة وتملأ الفراغ الذي تركته. ثم تتوالى العادات، فتتعاقب واحدة بعد أخرى، حتى تستغرق عمره بأكمله، ويصبح الإنسان في نهاية الأمر حصيلة ما راكمه من عادات، بعضها اختاره بإرادته، وبعضها استسلم له دون وعي.
والعادة في حد ذاتها ليست أمرًا منفرًا أو مذمومًا؛ فهناك عادات نافعة تنظم حياة الإنسان وتعينه على أداء أعماله دون مشقة. وإنما تكمن الخطورة في العادة الخاطئة حين تستولي على عقول الناس ومشاعرهم، فيدافعون عنها ويستميتون في حمايتها، ويبذلون من أجلها جهدهم وطاقتهم وأعصابهم، دون أن يريدوا إخضاعها للتحليل أو النقد البناء الذي يجعلهم يفعلون ما يفعلون بوعي وإدراك.
فهل الخوف من المجهول هو الذي يصرف الإنسان عن مراجعة عاداته؟ أم الكسل الذهني الذي يجعله يفضل المألوف على مشقة التفكير؟ أم العصبية التي تفرق بين الناس، وتنزع من نفوسهم روح التسامح وقبول الاختلاف؟
ولعل الأخطر من ذلك كله أن نرفع العادة إلى منزلة لا تستحقها، فنمنحها حصانة تحول دون مراجعتها، حتى إن كانت تنطوي على أخطاء جسيمة. فليس كل ما اعتدناه صحيحًا، وليس كل ما ورثناه واجب الاتباع، ولا ينبغي أن تتحول العادات إلى عقائد يُكفَّر بسبب مخالفتها أصحابها، فضلًا عن أن يُحاسَب الآخرون على أفعالهم لمجرد أنها لا تتفق مع ما ألفناه.
إن علينا أن نفرق بين الدين والعادة، وألا نخلط بين ما له أصل ديني وما اكتسب قوته من مجرد التكرار والتوارث. كما ينبغي ألا نحول العادات إلى طقوس ملزمة، يصبح من يخالفها غريبًا عن الجماعة أو القبيلة، أو موضع اتهام وانتقاص. فبعض العادات قد تُستغل لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب مادية، وقد يضفي عليها أصحاب المصالح ثوبًا دينيًّا يمنحها قداسة زائفة، فتنتشر وتترسخ في قرانا ومدننا، ويصبح الاعتراض عليها أمرًا بالغ الصعوبة.
وليس المطلوب أن يتحرر الإنسان من كل عادة، أو أن يتخلى عن كل ما ورثه عن آبائه وأجداده، وإنما المطلوب أن يضع كل عادة في مكانها الصحيح، وألا يسمح لها بأن تتجاوز حدودها فتسيطر على عقله، أو تنتقص من حريته، أو تصبح معيارًا للحكم على إيمان الآخرين وأخلاقهم.
فالإنسان لا ينبغي أن يكون تابعًا لما اعتاد، وإنما ينبغي أن يكون قادرًا على مراجعة ما اعتاد، وأن يختار منه ما ينفعه، ويتخلى عما يضره. وتلك هي اللحظة التي يستعيد فيها العقل حريته، فلا يعود الإنسان يفعل لمجرد أنه اعتاد الفعل، بل لأنه أدرك معناه ووعى ضرورته.

المصدر: اليوم السابع

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts