أكد الدكتور أيمن غنيم، أستاذ إدارة الأعمال، أن الأزمات والحروب الجيوسياسية المتلاحقة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الغذاء والطاقة لم يعودا مجرد منتجات تجارية، بل تحولا إلى "سلع سياسية" بالدرجة الأولى. وأوضح غنيم، خلال مداخلة هاتفية عبر شاشة «إكسترا نيوز»، أن سلاسل الإمداد العالمية باتت شديدة الحساسية للاستقرار السياسي وحرية الملاحة بالممرات البحرية، لافتاً إلى أن سيطرة موسكو وكييف على نحو 75% من تجارة القمح الدولية ونسب ضخمة من زيوت الطعام جعلت من استهداف التسهيلات اللوجستية والموانئ في البحر الأسود محركاً مباشراً للاضطرابات وارتفاع الأسعار عالمياً.
تقلبات برنت وقفزات أسعار الغاز في أوروبا
وأشار أستاذ إدارة الأعمال إلى أن أسواق الطاقة تشهد تذبذباً حاداً يعكس حالة عدم اليقين؛ حيث تتأرجح أسعار خام "برنت" صعوداً وهبوطاً ارتباطاً بالرسائل السياسية وتوقعات التهدئة أو التصعيد. كما نبه إلى خطورة أزمة الغاز الطبيعي الذي يُعد عصب صناعة الأسمدة العالمية ومحطات توليد الكهرباء في أوروبا؛ إذ قفزت أسعاره في الأسواق الأوروبية إلى مستويات قياسية تخطت 100 يورو للميجاوات/ساعة مقارنة بنحو 29 يورو في فترات سابقة. وحذر غنيم من أن استمرار الصراعات لفترات ممتدة، وفق تقارير بنوك الاستثمار العالمية مثل "غولدمان ساكس"، سيقوض قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص تلك الصدمات، مما ينذر بموجة غلاء جديدة تضغط على تكاليف السلع والخدمات.
خريطة الطموح الأخضر وتكاليف التحول الطاقي
وتناول غنيم اتجاه الاقتصادات العالمية نحو التوسع في الطاقة المتجددة، موضحاً أن الطاقة النظيفة تتميز بارتفاع تكلفة الاستثمارات المبدئية للبنية التحتية، مقابل انخفاض لافت في تكاليف التشغيل اليومية على المدى الطويل، على غرار الفارق بين المركبات الكهربائية والتقليدية. واستعرض نماذج من المستهدفات الطموحة عالمياً؛ حيث تسعى ألمانيا لتوليد 80% من كهربائها من مصادر متجددة بحلول 2030، والدنمارك إلى 100%، بينما تضع مصر خطة واضحة ومتقدمة للوصول بنسبة مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2030 لتعزيز مزيج الطاقة الوطني وتخفيف الضغط على الوقود الأحفوري.
الاستقلال الاستراتيجي ومستقبل التنافسية للاقتصادات الناشئة
واختتم الدكتور أيمن غنيم بالإشارة إلى توقعات وكالة الطاقة الدولية بإضافة قدرات هائلة من الطاقة النظيفة عالمياً (نحو 4800 جيجاوات) تقود الصين أكثر من نصفها، فيما تتقاسم الاقتصادات المتقدمة والناشئة النصف الآخر بالتساوي. وشدد على أن مسارعة الدول النامية والناشئة للاستثمار في الطاقة المتجددة ليست ترفاً بيئياً، بل ضرورة ملحة لتحقيق أهداف جوهرية؛ تشمل الاستقلال الاقتصادي والاستراتيجي، وتأمين إمدادات الكهرباء بعيداً عن تقلبات ومخاطر استيراد النفط والغاز، فضلاً عن رفع التنافسية الاقتصادية للمنتجات المحلية في الأسواق العالمية عبر تثبيت تكاليف الإنتاج الصناعي.









