الأحد، 8 نوفمبر 2026
بتوقيت القاهرة
عاجل
◆طلاب البرنامج الفرنسى بقصر العيني فى زيارة لمتحف الحضارة والأهرامات◆الجيش الأمريكي ينشر فيديو يوثق لحظة استهداف السفينة “هدى” لمحاولتها خرق حصار إيران◆إعلام إيراني: غارات أمريكية استهدفت رادارا ومنصات لإطلاق الصواريخ بمدينة جاسك◆مهرجان المهن التمثيلة يكرم الفنان القطري ناصر عبد الرضا (صور)◆الخارجية البريطانية تعرب عن بالغ حزنها إزاء مقتل مواطن بريطاني وآخرين في هجوم بولندا المروع◆نظر إعادة محاكمة 8 متهمين بقضية فض رابعة.. اليوم◆تجارة عين شمس تفتح باب التسجيل ببرنامج التأهيل للحصول على شهادة CMA الدولية◆مواعيد قطارات القاهرة – الإسكندرية والعكس اليوم الأحد 8/ 11/ 2026◆6 علامات بتقولك دولابك محتاج يتجدد.. قبل الشوبينج◆تحت شعار “نقيبي وأفتخر”، فنانو مصر يقدمون رسالة حب لأشرف زكي بختام مهرجان المهن التمثيلية◆الثروة الحقيقية لمصر.. ليست فيما تملكه بل فيما تستطيع تصنيعه◆أبو زهرة يحسمها: إلغاء منصب مدير المنتخب في الجهاز الجديد لعلي ماهر
مقالات

الثروة الحقيقية لمصر.. ليست فيما تملكه بل فيما تستطيع تصنيعه

حين تتأمل خريطة الثروات التي حبى الله بها مصر ستكتشف سريعا أن المعضلة الحقيقية لم تعد في غياب الموارد بل في طريقة إدارتها. تفكر أحيانا في تلك المواد الخام التي تغادر أرضنا في صورتها البسيطة ثم تعود إلينا بعد رحلة قصيرة…

حين تتأمل خريطة الثروات التي حبى الله بها مصر ستكتشف سريعا أن المعضلة الحقيقية لم تعد في غياب الموارد بل في طريقة إدارتها. تفكر أحيانا في تلك المواد الخام التي تغادر أرضنا في صورتها البسيطة ثم تعود إلينا بعد رحلة قصيرة في مصانع الآخرين منتجا نهائيا يحمل سعرا مضاعفا وعلامة تجارية أجنبية.

بين نقطة الخروج ونقطة العودة لا تتسرب فقط أرباح طائلة بل تتبخر فرص عمل حقيقية وتُهدر قيمة مضافة كان من الأولى أن تبقى لتنعش شرايين الاقتصاد الوطني. السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة على كل مخلص وطني: إلى متى سنظل نكتفي بدور المالك البسيط للثروة ونحجم عن الذهاب بها إلى أبعد نقطة في مسار التصنيع والتعظيم؟

العالم اليوم لا يحترم الدول الغنية بمواردها المدفونة في باطن الأرض بل ينحني احتراما للدول القادرة على تطويع هذه الموارد وتحويلها إلى تكنولوجيا، وسلع، وأسواق نافذة.

الموقع الجغرافي الفريد الذي تربعت عليه مصر عبر التاريخ لا يحول نفسه تلقائيا إلى ميزة تنافسية ما لم يرتكز على قاعدة إنتاج صلبة والرمال والفوسفات والمعادن تظل مجرد أرقام باهتة في تقارير الجيولوجيا ما لم يدخلها عقل صانع ويد عاملة ماهرة تحولها إلى قيمة ملموسة.

ولعل الجميل في المشهد الراهن أننا لا نبدأ من فراغ فالمقومات متوافرة، والبنية الأساسية التي أُقيمت خلال السنوات الأخيرة مثلت حجر الأساس الصلب الذي يمكن البناء عليه. لكن التحدي الأكبر الآن هو الربط الخلاق بين هذه القطاعات بحيث لا يعيش كل قطاع في جزر منعزلة بل يصبح جزءا من دورة اقتصادية متكاملة يخدم فيها الإنتاجُ الاستثمار وتتحول كل ميزة جغرافية أو طبيعية إلى فرصة عمل ورقم في ميزان الصادرات.

مثلا قطاع الطاقة الذي تحول من مجرد خدمة روتينية لتشغيل الآلات إلى عصب أساسي تتحدد على أساسه خريطة الاستثمار وجذب الرؤوس الأموال. المستثمر الذكي اليوم لا يسأل فقط عن توافر الكهرباء بل يبحث عن استقرارها واستدامتها وتكلفتها التنافسية. وهنا تحديدا تبرز عبقرية التوجهات الجديدة التي تربط التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة كالشمس وغيرها باحتياجات القطاع الصناعي الفعلي لتخرج الطاقة من حيز استهلاك المرافق وتدخل بقوة كشريك أساسي في صياغة السياسة الصناعية للدولة.

لكن الأهم من مجرد تركيب الألواح وتوليد النظافة هو أن نسأل أنفسنا بجرأة: هل سنكتفي بدور المستهلك لتكنولوجيا الطاقة أم سنوطن صناعتها؟

إن تصنيع المكونات والمحولات، وأنظمة التحكم، وتأهيل الكوادر البشرية لصيانتها وإدارتها هو الفارق الحقيقي بين استيراد رفاهية التكنولوجيا وبين بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على التصدير والتوسع لاحقا الأمر ذاته يتكرر بحذافيره مع ثرواتنا المعدنية. فخامات مثل الفوسفات والرمال البيضاء وغيرها تمثل مناجم ذهب حقيقية إذا نجحنا في نقلها من مربع التصدير الخام إلى مربّع التصنيع الكيميائي والهندسي الدقيق.

المطلوب ليس إيقاف التجارة الخارجية، فهذه خرافة اقتصادية، بل إحداث التوازن المنشود الذي يضمن بقاء النسبة الأكبر من العائدات والقيمة داخل السوق المصرية لتتحول كل طرد صادر إلى قصة نجاح صناعية متكاملة وعندما نتحدث عن الصناعة يجب أن نغادر الذهنية الكلاسيكية التي تربط المفهوم بالمصانع العملاقة وحدها.

الحقيقة الاقتصادية الراسخة تؤكد أن عمود الفقري لأي اقتصاد قوي هي تلك الشبكة الواسعة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة الشركات التي تقف في الخلف لتمد المصنع الكبير بقطع الغيار ومواد التشغيل والخدمات المساندة. كلما تشابكت هذه الشبكة وتعمقت محليا كلما تحصن الاقتصاد ضد الهزات العنيفة واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية التي أثبتت التجارب القاسية أنها لا ترحم الدول الاعتمادية ولأن الإنسان هو الصانع الحقيقي لكل تقدم، فإن أي حديث عن الثورة الصناعية المحلية يرتطم مباشرة بملف التعليم الفني المصنع الذكي لا يحتاج إلى جدران إسمنتية ضخمة بقدر ما يحتاج إلى فني واعي، ومهندس مبدع، وإدارة تستوعب لغة الجودة والمنافسة العالمية.

ربط المدارس الفنية بمحيط المجمعات الصناعية هو المفتاح الذي يغلق باب الفجوة بين ما تدرسه الأجيال وبين ما يطلبه سوق العمل فعليا، ولا ينبغي أن تظل عجلة الإنتاج ددارة حصريا في المدن الكبرى فالقرى والمراكز المصرية خصوصا في ريفنا العريق تزخر بمقومات هائلة في الصناعات الغذائية، والتعبئة، والحرف التراثية، والمنتجات الزراعية.

إقامة مجمعات تصنيع مصغرة قريبة من حقول الإنتاج تعني فورا تقليل الفاقد، ورفع عائد الفلاح، وخلق فرص عمل كريمة للشباب والفتيات في قراهم دون الحاجة لهجرة داخلية مضنية إن الطريق إلى هذه الغاية يتطلب بيئة تشريعية مرنة وإجراءات حاسمة لا تعرف البيروقراطية وشراكة حقيقية وشفافة بين الدولة والقطاع الخاص إلى جانب مقاييس دقيقة تتابع الإنجاز على أرض الواقع لا عبر تقارير الورق.

ما نحتاج إليه فعلا هو هزة فكرية في طريقة تقييمنا للنجاح الاقتصادي فلا ينبغي أن نفرح كثيرا بحجم ما استخرجناه من باطن الأرض بل بقدر ما أضفناه عليه من عقولنا وجهدنا. مصر تمتلك ما يجعلها تتجاوز التحديات وما تستحقه اليوم هو الانتقال من مرحلة امتلاك الموارد إلى مرحلة عبقرية الإنتاج وحين تتحول الخامة إلى سلعة والطاقة إلى ميزة تنافسية والقرية إلى وحدة إنتاجية سنوقن يقينا أننا وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو مستقبل يستحقه هذا الوطن العظيم.

المصدر: اليوم السابع

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts