تشرح عالمة المصريات سليمة إكرام كيف تكشف مومياوات الإنسان والحيوان عن أنظمة المصريين القدماء الغذائية ومعتقداتهم وبيئتهم وعلاقاتهم بالحيوانات، ولماذا يجب على الباحثين المصريين المساهمة في تشكيل مستقبل هذا المجال؟
عندما كانت سليمة إكرام في التاسعة والنصف من عمرها، زارت المتحف المصري بالقاهرة وتوقفت أمام التماثيل المرسومة للأمير راهوتب وزوجته نفرت.
بدت التماثيل نابضة بالحياة لدرجة أنها ظنت للحظة أنها حقيقية. تقول إنها شعرت أنها وجدت "أهلها" وخلال الرحلة نفسها، أكدت زيارتها للهرم الأكبر عزمها على أن تصبح عالمة مصريات.
تحوّل هذا الشغف الذي رافقها منذ الصغر إلى مسيرة مهنية، لم تقتصر على دراسة الحكام والمعالم الأثرية فحسب، بل شملت أيضًا دراسة غذاء المصريين القدماء، وأسلوب حياتهم، وتفاعلهم مع الحيوانات وبيئتهم.
سليمة إكرام، الأستاذة الجامعية المتميزة في علم المصريات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تخصصت في علم آثار الحيوان، وحصلت على درجة الدكتوراه في إنتاج اللحوم في مصر القديمة.
لاحقًا، أسست وأدارت مشروع مومياوات الحيوانات، الذي أعاد فحص مجموعة المتحف المصري باستخدام تقنيات غير تدميرية، وساهم في إعادة تصميم عرضها.
تحدثت مجلة "نيتشر أفريكا" مع إكرام حول ما تكشفه مومياوات الإنسان والحيوان عن حياة المصريين القدماء وموتهم، وأخلاقيات دراسة البقايا الأثرية، وأهمية الجيل القادم من علماء المصريات في هذا المجال.
متى قررتِ أن تصبحي عالمة مصريات؟
في عيد ميلادي الثامن، تلقيت كتابًا من دار نشر "تايم-لايف" عن مصر القديمة. بعد عام ونصف، زارت عائلتي القاهرة، حيث وقعت في غرام الرواق الكبير داخل هرم الجيزة الأكبر. أكدت لي تلك الرحلة ما أردت فعله. لم أندم قط على قراري بأن أصبح عالمة آثار مصرية.
لماذا بدأتِ بدراسة مومياوات الحيوانات في مصر القديمة؟
لطالما أحببت الحيوانات، لكن اهتمامي الرئيسي كان بالحياة اليومية للمصريين القدماء. أردت أن أعرف ماذا كانوا يأكلون، وكيف كانت صحتهم، وكيف كانوا يطبخون، وأين كانوا ينامون. ركزت أطروحتي للدكتوراه على الثروة الحيوانية، وحفظ الطعام، والاقتصاد، والحياة اليومية. قادني هذا العمل أيضًا إلى التدرب كعالمة آثار حيوانية.
لطالما انبهرت أيضًا بما كان يُسمى آنذاك "قاعة النباتات والحيوانات" في المتحف المصري، وهي الآن قاعة مومياوات الحيوانات. عندما انتقلت إلى مصر، شعرت أن القاعة بحاجة إلى تجديد، لذلك بدأت مشروعًا لإعادة تصميم القاعة وإعادة فحص المومياوات نفسها. في ذلك الوقت، لم يكن قد أُجري سوى القليل نسبيًا من العمل العلمي الحديث على المجموعة.
ماذا علمتك المومياوات البشرية والحيوانية عن الحياة والموت؟
لقد جعلتني دراسة المومياوات أكثر تقبلاً وواقعيةً للموت من كثيرين. كما أنني متأثرة بالحب والواجب والإيمان الذي دفع المصريين القدماء إلى تطوير هذا الاعتقاد الراسخ باستمرار الوجود بعد الموت، فضلاً عن الشعور بالمسئولية الاجتماعية الذي يهدف إلى ضمان الخلود.
إن العلاقة بين الإنسان والحيوان مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فبالنسبة للمصريين القدماء، كان بإمكان الحيوانات امتلاك معرفة بعوالم أخرى، وربما عوالم إلهية، أو الوصول إليها. ومع ذلك، وكما هو الحال في العديد من المجتمعات، شعروا أيضًا بدرجة من التفوق على الحيوانات، وسخّروها لخدمة الإنسان.
مع ذلك، لا يبدو أن المصريين كانوا مسرفين في تعاملهم مع البيئة. فقد كان مفهوم "ماعت" – الذي يشمل النظام والتوازن والعدل والحقيقة – محورًا أساسيًا في الفكر المصري القديم. يصعب تحديد مدى ترجمة ذلك إلى إدارة بيئية مدروسة، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث.
كيف تبدو طبيعة العمل الميداني في الصحراء الغربية بمصر؟
لطالما كان العمل في المناطق النائية المحيطة بواحة الخارجة، في الصحراء الغربية بمصر، مليئًا بالتحديات نظرًا لطبيعة الصحراء وصعوبة الوصول إليها. وقد علمني ذلك كيفية مواجهة حالات الطوارئ غير المتوقعة والتحلي بالمرونة.
كما أظهر لي أهمية اختيار فريق عمل كفؤ. ففي الظروف الصعبة، لا يعتمد المرء على كفاءة زملائه فحسب، بل أيضًا على شخصياتهم وقدرتهم على تحمل المشاق الجسدية والنفسية. وهذا درس أطبقه في جميع جوانب حياتي، حتى خارج نطاق العمل الميداني.
كيف ينبغي لعلماء الآثار التعامل مع البقايا البشرية والحيوانية؟
أبذل قصارى جهدي للتعامل مع كل من البشر والحيوانات باحترام. ويختلف التفاعل المباشر بين موقع التنقيب والمتحف لأن البقايا نفسها غالبًا ما تكون مختلفة تمامًا.









