أكد الدكتور عبد الغني العيادي، الخبير في الشؤون الأوروبية، أن المشاهد الاحتجاجية المتصاعدة في المدن الفرنسية لا يمكن اختزالها في مجرد مطالب مادية أو تحسين للقدرة الشرائية للطلاب والعاملين، بل تعكس في جوهرها حالة من "التوتر والاختناق الاجتماعي" العميق.
وأوضح، خلال مداخلة هاتفية من العاصمة باريس عبر فضائية «إكسترا نيوز»، أن فرنسا -بوصفها مهد الثورات وعصر التنوير- تطرح اليوم تساؤلاً وجودياً كبيراً حول طبيعة النموذج المجتمعي الذي تريده الشعوب، وما قدمته العولمة والنظم الحالية للإنسان ومستقبل الأجيال الشابة.
حالة حرب ومأزق التعاطي الأمني مع الأزمات
وبيّن "العيادي" أن المجتمعات الأوروبية تعيش حالياً تحت وطأة أزمة استثنائية وحالة حرب غير معلنة، في ظل سعي القارة لبناء استقلاليتها الجيوسياسية وفك ارتهانها للولايات المتحدة الأمريكية، مشيراً إلى أن الموازنات العامة للحكومات مستنزفة ولا تتيح أي هوامش للمناورة الاقتصادية لتلبية التطلعات الشعبية. وشدد على أن الرد على هذا الغليان لا يمكن أن يكون عبر المقاربات الأمنية وقمع التظاهرات، بل يتطلب رؤية سياسية شاملة وإجابات هيكلية تعيد صياغة العقد الاجتماعي بدلاً من الاكتفاء بالحلول الوقتية.
"تأثير الدومينو" وتداعيات الاضطراب الأوروبي على العالم
وحذر الخبير في الشؤون الأوروبية من أن ما يحدث في فرنسا سينتقل بالضرورة إلى بقية دول القارة العجوز وفق نظرية "تأثير الدومينو"، لافتاً إلى أن العالم اليوم بات جسداً واحداً مترابطاً بفعل العولمة. ونوه بأن أوروبا تمثل شرياناً تجارياً وسوقاً ضخمة تضم أكثر من 400 مليون نسمة، وتلعب دور الوسيط الحيوي بين إفريقيا والعالم العربي ودول الجنوب من جهة، وبين الولايات المتحدة والصين والهند من جهة أخرى، مما يعني أن أي اهتزاز أمني أو اقتصادي يضرب استقرار القارة ستطال تداعياته المنظومة الدولية بأسرها سواء في ملفات الطاقة أو سلاسل الإمداد أو تدفقات الهجرة.
صرخة إنسانية في وجه هيمنة الشركات والبورصات
واختتم الدكتور عبد الغني العيادي تصريحاته بالإشارة إلى أن النظام العالمي منذ مطلع الألفية اتجه نحو تقديس أرقام البورصات ومصالح الشركات العابرة للقارات على حساب الإنسان والعدالة الاجتماعية، مما حول المواطن إلى مجرد ترس في آلة اقتصادية معقدة. واعتبر أن الحراك الحالي في الشارع الأوروبي يمثل صرخة شعبية تطالب بإعادة الاعتبار للإنسان ووضعه في قلب النقاش التنموي والسياسي، وبناء مستقبل متوازن يحفظ المكتسبات الديمقراطية والاجتماعية التي ناضلت من أجلها الشعوب لعقود طويلة.









