تتجه الأحزاب العربية في إسرائيل إلى لعب دور يتجاوز ترجيح كفة أحد المرشحين لتشكيل الحكومة، بعدما فتحت القائمة العربية الموحدة الباب أمام دعم حكومة يقودها جدعون آيزنكوت، حتى من دون اتفاق ائتلافي، وفق ما نقلته صحيفة «هآرتس» عن مسؤول في القائمة، في تطور يعكس محاولة لتجاوز المأزق الذي أفرزته انتخابات الكنيست الأخيرة، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن المكاسب السياسية التي يمكن أن تحققها الأحزاب العربية مقابل دعم حكومة لا تشارك بالضرورة في تشكيلها.
وتأتي هذه التطورات بعدما أسفرت انتخابات 27 أكتوبر عن حصول معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لأحزاب المعارضة ذات القيادة اليهودية، بينما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا، منها 11 للقائمة المشتركة و8 للقائمة العربية الموحدة، لتصبح أصوات النواب العرب عنصرًا مؤثرًا في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
من التوصية بآيزنكوت إلى ضمان استمرار حكومته
لم يعد الدور العربي مقتصرًا على التوصية بتكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة، بعدما حصل على تأييد 67 نائبًا خلال المشاورات الرئاسية، بل امتد إلى الاستعداد لتوفير غطاء برلماني يسمح لحكومة محتملة بالعمل دون مشاركة الأحزاب العربية في الائتلاف الحاكم.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ضوء اعتراض بعض شركاء آيزنكوت المحتملين، وفي مقدمتهم أفيجدور ليبرمان، على تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، وهو ما يجعل الدعم الخارجي محاولة للفصل بين المشاركة الرسمية في السلطة والتصويت البرلماني لصالح استمرارها.
لكن هذا الفصل لا يزيل جميع العقبات؛ إذ يبقى موقف الأحزاب الرافضة للاعتماد على الأصوات العربية حاسمًا في تحديد إمكانية تشكيل الحكومة، حتى لو لم يحصل النواب العرب على حقائب وزارية.
ماذا يكسب العرب من دعم حكومة لا يشاركون فيها؟
تتمثل أولى المكاسب المحتملة في إزاحة حكومة نتنياهو، التي شهدت علاقاتها مع الأحزاب العربية توترات متزايدة، خصوصًا مع وجود إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش ضمن معسكرها السياسي.
غير أن المكسب الأكبر قد يتمثل في تحويل المقاعد العربية إلى قوة تفاوضية داخل الكنيست، إذ تستطيع الأحزاب التي تقدم الدعم الخارجي المطالبة بتغيير السياسات المتعلقة بالمجتمع العربي مقابل التصويت لصالح الحكومة في الملفات الأساسية.
ويأتي ملف مكافحة الجريمة والعنف داخل البلدات العربية في مقدمة هذه الأولويات، إلى جانب زيادة مخصصات السلطات المحلية العربية، وتطوير البنية التحتية والتعليم والإسكان، ومعالجة الفجوات الاقتصادية والخدمية بين البلدات العربية واليهودية.
كما يمكن أن يشمل التفاوض المطالبة بمواجهة التمييز في المؤسسات العامة، وتخفيف القيود المرتبطة بالتخطيط والبناء، وتعزيز تمثيل المواطنين العرب في دوائر صنع القرار.
لكن هذه المكاسب تظل احتمالات تفاوضية، وليست التزامات معلنة من آيزنكوت، خصوصًا في ظل عدم الإعلان عن تفاهمات تفصيلية تضمن تنفيذها.
هل يتحول الدعم البرلماني إلى ورقة ضغط؟
قد يمنح البقاء خارج الائتلاف الأحزاب العربية مساحة أوسع للاحتفاظ بمواقفها السياسية، دون الالتزام الكامل بالبرنامج الحكومي، بما يسمح لها بتأييد بعض القرارات والاعتراض على أخرى.
وفي المقابل، فإن اعتماد حكومة أقلية على أصوات خارج الائتلاف قد يجعل استمرارها مرتبطًا بالحفاظ على تفاهمات مع القوى الداعمة لها، وهو ما يوفر لهذه القوى قدرة تفاوضية في ملفات الميزانية والتشريعات والسياسات الداخلية.
ومع ذلك، فإن تقديم الدعم دون اتفاق ائتلافي أو تفاهم سياسي واضح قد يحمل مخاطرة معاكسة، تتمثل في حصول آيزنكوت على الأصوات اللازمة لتشكيل الحكومة، دون أن تضمن الأحزاب العربية الحصول على مكاسب محددة في المقابل.
وهنا يصبح السؤال الأساسي ليس فقط ما إذا كانت الأحزاب العربية ستدعم الحكومة، وإنما طبيعة الضمانات التي يمكن أن تحصل عليها قبل منح هذا الدعم.
خلافات بين الأحزاب العربية حول حدود المشاركة
ورغم تقارب مواقف القائمتين العربيتين بشأن إنهاء حكم نتنياهو، فإن الاختلاف بينهما يظل قائمًا حول حدود التعاون مع الحكومة الجديدة.
فالقائمة العربية الموحدة، بقيادة منصور عباس، تمتلك تجربة سابقة في المشاركة بالائتلاف الحكومي الذي تشكل عام 2021، وأبدت استعدادًا للانخراط في حكومة جديدة، بينما تفضل القائمة المشتركة دعم التغيير من خارج الائتلاف، مع الحفاظ على استقلاليتها السياسية.
ويعكس هذا الاختلاف رؤيتين للتعامل مع المؤسسات الإسرائيلية؛ إحداهما تركز على المشاركة المباشرة لتحقيق مكاسب خدمية واقتصادية، والأخرى ترى أن الدعم البرلماني يمكن أن يوفر تأثيرًا سياسيًا دون تحمل المسؤولية عن قرارات الحكومة، خصوصًا المتعلقة بالقضية الفلسطينية والعمليات العسكرية.
عقبة ليبرمان وشروط آيزنكوت
وعلى الرغم من حصول آيزنكوت على أغلبية التوصيات الرئاسية، فإن تشكيل الحكومة يظل أكثر تعقيدًا من مجرد جمع الأصوات المعارضة لنتنياهو.
فقد رفض ليبرمان تشكيل حكومة أقلية تعتمد على الأحزاب العربية، بينما وضع آيزنكوت شروطًا سياسية وأمنية للتعاون مع شركائه المحتملين، من بينها الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وتبني موقف واضح بشأن حركة حماس.
وتكشف هذه الشروط أن دعم الأحزاب العربية لا يعني بالضرورة قبولها داخل الائتلاف، كما أن موافقتها على إزاحة نتنياهو لا تعني اتفاقها مع آيزنكوت بشأن القضايا الأساسية.
ومن ثم، قد يتيح الدعم الخارجي تجاوز بعض الخلافات المرتبطة بالمشاركة الوزارية، لكنه لا يضمن تجاوز الاعتراضات السياسية على اعتماد الحكومة نفسها على الأصوات العربية.
بين إسقاط نتنياهو وتحقيق المكاسب
تضع التطورات الأخيرة الأحزاب العربية أمام اختبار سياسي يتجاوز قدرتها على منع نتنياهو من العودة إلى رئاسة الحكومة، ليشمل مدى نجاحها في تحويل حضورها البرلماني غير المسبوق إلى تأثير فعلي في السياسات الحكومية.
فإزاحة نتنياهو تمثل هدفًا مشتركًا للقائمتين العربيتين، لكنها لا تعني تلقائيًا تحسن أوضاع المواطنين العرب، ما لم ترتبط بتفاهمات تضمن معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تمس حياتهم اليومية.
وفي المقابل، فإن اشتراط الحصول على مكاسب مسبقة قد يعقد مفاوضات تشكيل الحكومة، في وقت تسعى فيه قوى المعارضة إلى تجاوز خلافاتها الداخلية ومنع استمرار نتنياهو في السلطة.
وبين هذين الاعتبارين، تبدو المعادلة التي تواجه الأحزاب العربية أكثر تعقيدًا من مجرد التصويت لصالح آيزنكوت؛ إذ يتعين عليها الموازنة بين الرغبة في تغيير الحكومة والحفاظ على قدرتها على التأثير في قراراتها لاحقًا.
وهكذا، فإن أهمية العرض المنسوب إلى القائمة العربية الموحدة لا تكمن فقط في إمكانية فتح الطريق أمام حكومة جديدة، وإنما في السؤال الذي سيحدد طبيعة الدور العربي خلال المرحلة المقبلة: هل تتحول الأصوات العربية إلى شريك مؤثر في صناعة القرار، أم تقتصر وظيفتها على توفير الأغلبية اللازمة لتغيير السلطة؟









